يموت، ونحن ننتظر: ننتظره يعود، يأتي لنا في صباح جميل، نفرح به، نفرش له الود والحب، كنا على أمل الترقب ولهفة الانتظار، فما أطول الزمن الذي باعد بيننا وبينه في رحلة غربته الطويلة. كنا نلمس حاجتنا له في كل لقاءاتنا وعندما نسمع ونرى نكبات امتنا، نستشعر نقصا اصابنا: كيف هي ايامنا من غير تريم عمران تريم؟! وكلما جاء احد من هناك من «مايوكلينك» او من بلاد الضباب، لا نطلب منه حديثا سوى عن احوال «بونجلاء» كيف هي صحته، كيف هي معنوياته طمئنونا. كل مجيب لا يعطينا سوى ما يرجوه ويتمناه: حالته أحسن أو قد تكون افضل في الايام المقبلة، وقد يعود الاستاذ قريبا يكمل علاجه في الوطن ـ لكنه لم يعد ـ رحل بعيدا، ترك لنا طعم الفراق وفعل الصدمة. اليوم يعود جثمان تريم عمران الى الوطن ـ الوطن الذي احبه تريم وقدم له كل عمره واحلامه وافعاله، رحلة طويلة شاقة هي رحلة قيام وبناء هذا الاتحاد، وتريم كان واحدا من اولئك الاوائل الذين سخروا علمهم وشبابهم واحلامهم في نهضة وازدهار هذا الكيان الوحدوي. وطوال هذه التجربة وهذه السنوات الطويلة من العمل الوطني والعطاء كان صوته مميزا، لانه كان صريحا صادقا واضحا في مباديء العروبة والوحدة، فالقومية التي تأثر بها حملها في قناعاته واعماله اهدافا وغاية وليس مجرد وسيلة أو شعارات، فعند المحك، في المراحل الحرجة، مراحل الاختبار ونقاط مفترق الطريق والتي كثيرا ما مرت عليها هذه الامة في سنواتها الاخيرة، رفض تريم ان يسير في ركب حزب السلامة، ذلك الفريق الذي لا يمانع من تغيير الرداء والافعال وتلوين كل شيء من اجل المنفعة والمصالح الذاتية، وإنما تمسك بالدرب الذي سار عليه، وأصر ان يكون مخلصا محترما سيرته وقناعاته. في «الخليج» كانت الرحلة اصعب، فبدايتها احلام وامنيات، وكانت رسالتها عنده واضحة قبل ان تقوم وبعد ان طبعت وانتشرت، لكن الطريق ليس سهلا ابدا، انها هوية وانها صناعة وانها متطلبات: كثير من السياسة ومزيج من التداخلات والتدخلات والعلاقات والضغوطات في مثل هذه المهنة قد ترضي طرفا وقد تغضب اطرافا، قد تنقص مواردك، قد تخسر، قد تجد امامك عراقيل ومطبات، قد تشتد العاصفة بل عواصف عديدة عليك، قد لا تجد سندا يسندك. في كل الاحوال، في كل الظروف، فان العامل في هذه المهنة يفقد صحته مبكرا قبل غيره، فكيف اذا كان القائم على هذه الصحيفة هو صاحبها وممولها وهي عنده اكثر من مشروع صناعي واكبر من مجرد وسيلة اعلامية، هي عنده حلم وحياة ومبدأ ومسيرة، هي اجمل واغلى ما يملك وما يريد، وهكذا كانت «الخليج» عند تريم عمران والذين يعرفون «الخليج» وتريم عن قرب يعلمون حجم البذل والتعب الذي قدمه فارسها طوال سنوات عمرها في مرحلتها الاولى وفي مرحلتها الثانية، كان فيها المؤسس صاحب المشروع مع شقيقه الدكتور عبدالله عمران، وكان فيها ايضا رئيس التحرير الذي يضع الخطط ويتابع بدقة ما ينشر فيها كل يوم، وكان دوره اكبر من ذلك، كان هو «الاستاذ» عليه ان يوجه ويعلم، وعليه ان يكون حاسما صارما عندما تصل الامور الى الثوابت وخط السير، إنه هنا قائد، والقائد يعلم قبل غيره ان سفينته وسيره سيكون متعثرا لو غفل أو تساهل في أمر القيادة. كان في كل الحالات، يتابعها بعين يقظة، حتى في رحلته الاخيرة وهو على فراش المرض، يسأل عنها في حالات صحوه: أين «الخليج»؟ لم يغب ذكرها عنه حتى في لحظات الموت، كان الحنين يأخذه نحوها. حب صادق جارف وهذا اعظم درس يقدمه الاستاذ للزملاء المنتمين لعالم الكلمة. ان تكون الصحافة رسالة واضحة، ثابتة المباديء والخط في كل الظروف، وان من ينتمي لها تكون هويته كذلك، يحمل هما وقضية ويخلص لصاحبة الجلالة ولو لم يجد فيها سوى المصاعب والمتاعب، فهكذا هي دائما. لا اعلم كيف سيكون وجه صحافة الامارات وصحافتنا العربية اليوم وهي تودع استاذا مثل تريم عمران، لكنها بالتأكيد خسرت فارسا لا يعوض، وسيسكننا هذا النقص طويلا، خاصة في مثل هذا الزمن المر الذي اختلطت فيه كثير من الخيوط والامور، وضيعت فيه امتنا الطريق وصرنا لا نعرف الى اين نسير؟! رحم الله تريم عمران .. وألهمنا الصبر على فراقه.