سيبدو المشهد مألوفاً في هذا الوقت من السنة، نساء يتبضعن، رجال يدفعون، أطفال يعيثون تخريباً في المتجر، العربات تتدافع، ازدحام أمام كوات المحاسبين، أكياس بلاستيكية ملونة تتكدس في صناديق السيارات، ثم دعسة بترول لنقل حصيلة هذا اليوم الى حقائب معدة للاتخام والانفجار من ثقل وضخامة البضائع الجديدة. المشهد سيكون سينمائياً أكثر لو أضفنا إليه بعض العبارات المناسبة، و لتكن هذه العبارات من واقع السوق حيث تقول الزوجة: ـ سأشتري كندورة بُني لأمي، وجاكيت ربيعي لأبي وبوت اديداس لاخي نمرة 47، وعباية لأختي مطرزة خفيف وغير شفافة وقياسها أكبر من المعتاد لانها حامل، وستريو كاسيت مع سي دي لابن الحاج عادل لانه نجح في الاعدادية، وطقم مخدات عسلي لخالتي نوال مثل الطقم الذي أهديناه لخالتي رغداء السنة الماضية، وخلطة بهارات برياني لجيران عبير، ومفرش طاولة عين جمل لأم وائل لونه فستقي ليناسب طقم الكنبايات الجديدة، وخلاط كوكتيل لجارة سهاد لان المخلوقة أعطتنا ثمنه من السنة الماضية، وجوزين طفايات خشب صنع الهند تناسبان غرفة القعدة المزهرة في بيت أهلي. ولكن قبل ان تنهي الزوجة قائمة الطلبات يسألها الزوج: ومن هو المدخن في عائلتكم؟ فترد الزوجة بأسى واضح: ماما رجعت للتدخين. في هذه اللحظة تتقدم من الابوين احدى بناتهما حاملة لعبة عملاقة وافرة الفرو وهي تقول: أريد ان اشتري هذه اللعبة فينظر الأب الى الدب الذي تحمله الصغيرة والذي يفوقها حجماً وهو يسأل: واين سنضع هذا الحيوان الكبير يا ابنتي؟ فترد الصغيرة ببراءة أمهات المستقبل: في الحقيبة الكبيرة التي اشتريتموها أمس. غير ان الوالدة تنظر اليها نظرة حمراء وتقول لها بصرامة معتادة: اعيديه لمكانه. فتنخرط الفتاة في البكاء. ويمكن ان ينتهي المشهد هنا، للانتقال الى مشهد مجاور مع تغيرات بسيطة في الديكور حيث يقول الزوج: ميزانية الاجازة لا تتضمن بند هدايا الأقرباء من الدرجة الثانية ولا تنسي ايضاً ان الوزن الزائد سيكلفنا مصاريف اضافية في المطار، ثم ان امك لا تحب اللون البني لان الكندورة السابقة باعتها لجيرانها، كما ان الجو سيكون حاراً جداً واقترح ان نشتري لوالدك جلابية بيضاء بدلاً من الجاكيت الربيعي، ثم اعتقد انه لا توجد في جميع محلات الرياضة احذية نمرتها 47 والأفضل ان تعرضوا اخوكم على طبيب لانه ليس معقولاً ان يكون في الرابعة عشرة من عمره وقدمه مقاسها كبير والأفضل ان تصطحبه اختك الحامل لتتأكد من حملها أيضاً لان رضيعها عمره ثلاثة أشهر فقط. هذا بالنسبة لاقرباء الدرجة الاولى اما اقرباء الدرجة الثانية فان ابن خالك الحاج عادل نجح في الاعدادية شحط وهو ليس بحاجة الى ستريو كاسيت مع سي دي بل يحتاج الى دورة تقوية في جميع المواد، أما بالنسبة لفصيلة الخالات رغداء ونوال وعبير وجيرانها، فانك لست ملزمة حيالهن بأي شيء كونهن لم يحضرن لوداعك السنة الماضية، بقي لدينا خلاط الكوكتيل الذي اعطتك ثمنه جارة سهاد وأحبذ ان تعيدي لها الفلوس لان الخلاطات متوفرة بكثرة هناك ولا يحتاج الامر نقله من بلد الى اخر، وأوافق على شراء طفايات خشب لغرفة القعدة المزهرة في بيت اهلك لان امك المريضة عادت للتدخين.. يافرحتي التي لا تقدر بثمن وبهذا الشأن سأشتري لها كروز دخان لايت من السوق الحرة لان ضرره اخف حيث ان والدتك ستبخ سجائرها في وجه الأطفال وهكذا يصبح تدخيننا السلبي لايت. وعند هذه النقطة سيتقدم ابنهما حاملاً آلة حربية ـ بابا اريد ان أشتري هذا الكلاشنكوف. فنظر الأب إلى صغيره وإلى البندقية التي تفوقه طولاً وقال: الشرطة تمنع نقل الكلاشنكوف في المطار. فأجاب الطفل بنبرة ثورية: ـ ولا يهمك سأقتلهم جميعاً. ويمكن ان ينتهي المشهد هنا. وحتى تكتمل الصورة ستحزم الحقائب ويعاد فتحها عدة مرات لاضافة بهارات البرياني مرة أو لدس جورب كان على حبل الغسيل أو لوضع بعض قطع الصابون المعطر، بعدها تنطلق القافلة صوب المطار حيث حقائب عملاقة يجرها اسيويان يتقدمهما زوج حاملاً الجوازات وتذاكر السفر وخلفه تسير الزوجة وعلائم السعادة على وجهها وهي تحمل رضيعها وفي مؤخرة الحشد هناك طفلة تحمل دباً عملاقاً تتعثر بخطواتها والى جانبها شقيقها يحمل لعبته الحربية ويصوبها تجاه دب شقيقته تارة وتارة اخرى تجاه موظفي المطار وهو يردد: طاخ.. طاخ. إجازة سعيدة.. ترجعوا بالسلامة. E.Mail:H-S-D@Maktoob.com