نخشى أن ينقلب سلاح المقاطعة لغير صالح العرب فبدل ان يكون وسيلة لغاية، يصبح غاية في ذاتها. ودخول الفتاوى على الخط يلهب الحماس المنفلت لدى الأفراد والشعوب التي تسعى لجعل هذا النوع من المقاومة السلمية سلوكا متبعاً لديها وموضوع القدوة في حركتها المدنية. والخوف كذلك من عمليات التشهير التي قد تنجم عن اساءة فهم البعض للمقاطعة التي يراد ان تسود الشارع العربي بعيدا عن أسلوب حرق الأعلام وكسر المحلات وإتلاف كل ما يقع تحت الأيدي بدعوى انتمائه الى دول تساند العدو الصهيوني بكل وضوح. تجارب الدول التي مرت في تاريخها بظروف من المقاطعة للعدو أو للاستعمار تتعرض للمفارقات عند اسقاطها على أوضاعنا العربية، لابد من التعامل مع قضية فلسطين بطريقة مختلفة تماما عن الاستعمار البريطاني للهند أو باكستان وبنجلاديش ومصيبة التقسيم المعروفة ولو ذهبنا الى الاستعمار البريطاني لأميركا والاستعمار الأميركي للهنود الحمر واستعمار البيض للسود مثل هذه القصص في ناحية وفلسطين في ناحية اخرى. ونقطة أخرى في حملات المقاطعة التي بدأت تكثر في العالم العربي تخص إصدار الحكم على الاشخاص الذين لم يقتنعوا بفكرة المقاطعة أصلا لسبب أو لآخر فمن يملك الحق في وصم هؤلاء على اساس انهم خرجوا على مطالب الجماهير أو اللجان والمؤسسات التي تحث الناس على المقاطعة وهي تتعامل بشكل مباشر أو غير مباشر مع هذه البضائع المطلوب مقاطعتها عيانا جهارا. لا نريد من هذه القضية ان تتحول الى أحكام أخلاقية مسبقة تطلق على من تناول كأسا من المشروبات الغازية من ماركة معينة فيقوم آخر بتوجيه سلوكه نحو ماركة بديلة. ونضيف الى تلك المسألة موضوعا حساسا يخص رجال الأعمال والتجار الذين تقوم مواردهم المالية على التعامل مع كبرى الشركات ولا نعني هنا فقط ما يتعلق بالبضائع البسيطة، بل الامر اكبر من ذلك فيما يتصل بوكالات السيارات وشركات الكمبيوترات وغيرها من مجالات التجارة العالمية التي تتداخل فيها ارزاق العمال والموظفين، فهل المطلوب رفض ذلك كله دون وجود بدائل عربية مناسبة لمواجهة هذا النقص الجوهري في الحالة العربية وأقلها اننا لم نصل بعد الى شعار «نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع». اللجان العاملة في هذا المجال قديمة في بعض الدول وعلى رأسها لبنان منذ بدايات المشكلة «الاسرائيلية» في الشرق الأوسط، الا ان الأثر الملموس مازال ضعيفا، اي بمعنى ان المشكلة مع ذلك تزداد تعقيدا وتأزما مع تجاوب بعض الناس في المقاطعة الفردية أو الجماعية. وحتى تنجح مثل هذه المبادرات الشعبية فان وجود استراتيجية دقيقة ضروري للتعامل مع هذه الاشكالية التي طالت كل مقدرات الأمة وأصابت الجميع بخيبات الأمل في معظم نواحي حياتنا، فالخطب الرنانة والكلمات الحماسية ـ سرعان ما تذهب مع الريح. إذا كان المقصود من هذه المقاطعة فقط الحاق اضرار اقتصادية بليغة بالدول التي تساند اسرائيل قد تقارب مئات المليارات في ضوء سنوات قليلة فانها قادرة بما لديها من امكانات تعويض ذلك كله بصفقة سلاح واحدة مع دولة عربية ملتزمة بالشراء الدوري لتحديث ترسانة الاسلحة لجيوشها. وعلى مستوى أقل بكثير فإن اضافة درهم على اسعار منتجاتها الغازية وعلى المدى البعيد تعوض الفاقد الناتج عن كل ما مضى، لذا يجب علينا تجنب العمل في هذا الطريق دون المساس بخصوصيات الآخرين في عمليات الشراء والبيع وألا نطلق الاحكام جزافا لمن يتعامل مع البضائع المطلوب مقاطعتها دون ان يوصم بأنه يمول السلاح الذي يقتل به الفلسطينيون، لأن هذه النبرة سوف تفرق الأمة العربية أكثر مما تجمعها على هذا النوع من المقاطعة.