يثير بعض الكتاب في صحفنا ضجة، تنطلق من مقولة شائعة تضمن الانتشار للمبتدئين وتحفظ النجومية للكبار، وتعتمد مبدأ التجديف والتنكر للبديهيات، ومخالفة المستقر والراسخ من الحقائق، وبالتالي فهي ضجة فارغة، ينطبق عليها قول: اسمع ضجيجا ولا ارى طحنا. للأسف، هذا حال كثيرين، اشهرهم الكاتب الكبير انيس منصور، الذي رمانا السبت الماضي في عموده «مواقف» والأصح انه «بلا مواقف» ـ بآخر تقاليعه، التي عاد اليها في نهاية مشوار صحفي مديد بدأه بها، واثبت جدارة لا ينازعه فيها احد، على الاتيان بما لم يأت به الاوائل في مضمار التقاليع الصحفية والفكرية. ففي عموده الشهير بعد ان انطفأت اضواؤه وخبا بريقه منذ عقدين من الزمان ويزيد زعم انيس منصور نقلا عن الاساطير الصهيونية ان انان بن أنان الكاهن والقاضي اليهودي هو الذي حكم باعدام القديس جيمس (الاخ غير الشقيق للمسيح عليه السلام)!! وواضح ان أنيس منصور نقل دون تدقيق اسطورة صهيونية من جملة اساطير وتزييف احتكره اليهود للتاريخ، وللكتب السماوية وأساء ـ بقصد او بدون قصد ـ للمسيحيين وللمسلمين، ووضع نفسه هدفا لاتهامات من جانب علماء الدين حيث صور كلامه احد كبار رجال الازهر الشريف بأنه كلام حشاشين! فمن الثابت دينيا وتاريخيا ان التوراة الموجودة بمحتوياتها الحالية، ليست هي نفس الكتاب السماوي الذي انزل على موسى عليه السلام، بل هي من وضع وانتحال عدد لا يحصى من كهنة اليهود، الذين لم يتورعوا عن تحويلها الى كتاب مليء بالقصص الخليعة ومشاهد الاثارة الحسية. ونسي انيس منصور ان السيدة مريم العذراء لم تنجب المسيح عليه السلام من ثمرة علاقة زوجية ولم يدنس طهرها احد، بل جاء المسيح كمعجزة من معجزات الخلق، وبالتالي لم يكن له اخ ولا ولد. على ان الضجة تحققت والسلام، وثار الدعاة يرمون انيس بالزندقة، وهم غافلون عن حقيقة ان ناقل الكفر ليس بكافر، ومن جانبه لم يعد انيس لتصحيح هفوته الغليظة مما يؤكد انه راض عن الضجة وتداعياتها. وللحقيقة، ان انيس منصور محترف اختلاق واثارة الضجيج من حوله، وبارع في توظيف قراءاته وقلمه لنسج صورة جماهيرية جعلت منه نجما اعلاميا قبل ان يشتد عودة في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي. ولا يهتم انيس كثيرا ـ وهذه آفة في الصحف العربية ـ بالتدقيق في الوقائع والمعلومات، ويختلط لديه الشائع من الخرافات والتهويمات والشعوذات مع المستقر من الحقائق، بل يفضل احيانا كثيرة الخرافة على الحقيقة، كونها الاسرع انتشارا، والاقرب لوجدان العامة. اذكر ان الشهرة جاءت لأنيس منصور مشرعة على اجنحة الخرافة والشعوذة، والقصص المصنوعة حول البطولة والعبقرية الفلسفية، عندما انضم الى مؤسسة الأخوين مصطفى وعلي أمين «اخبار اليوم» ضمن محرري مجلة الجيل، بعد تخرجه من كلية الاداب قسم الفلسفة بجامعة عين شمس مباشرة وليس بعد الشائعة التي نجح في ترسيخها اعلاميا بأنه فصل من الجامعة وهي بلا سند من الواقع. في تلك الفترة من بدايات عمل انيس منصور الصحفي، كانت الموضوعات التي برع في كتابتها تنحصر في قصص عن «كودية الزار» وتحضير الارواح والاشباح التي تعود للحياة وجمعيات تبادل الزوجات في مجتمع محافظ، قبل ان يبتلى بتقاليع ما بعد الحداثة في الالفية الثالثة. ولم يعرف عن انيس ارتباطه بأي قضية كانت اعلامية او ثقافية او اجتماعية، وجسد طيلة مشواره الصحفي شخصية ليس «اللامنتمي» بل المنتمي فعلا للذات، والسعي الذي لا يكل ولا يمل لتضخيمها. على ان الرغبة في التحليق في سماء السياسة عندما صار ظلا اعلاميا للرئيس الراحل انور السادات، بعد افتراقه وخلافه الدرامي مع الكاتب الاشهر محمد حسنين هيكل، جعلت انيس يسعى لاختلاق تاريخ ليس له في السياسة، فدخل المناحة الصحفية غير المسبوقة للتشهير بالزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وكان له السبق في المنافسة مع زملائه من رؤساء تحرير الصحف الحكومية. واخترع انيس منصور لنفسه صورة الضحية لقمع عبدالناصر لاحرار الفكر، وأشاع انه تم فصله من رئاسة تحرير مجلة «الجيل» بسبب مقال يطعن في عبدالناصر تلميحا عبر قصة الشيخ العز بن عبدالسلام احد شيوخ الاسلام اخر ايام حكم المماليك البحرية وزمن السلطان الظافر قطز، وهي من اساسها قصة لا علاقة لها بالسياسة بل بقضايا اخرى رحل اطرافها واحدهم هو المناضل الكبير كمال رفعت. عموما، اتمنى ان تنتهي الضجة الاخيرة دون ان يورط انيس منصور علماء الدين والمثقفين في معركة هامشية، تصرفنا عن التحديات التي تنهش جسد وعقل امتنا، وهنيئا له خزعبلاته.