مازالت العلاقة بين النقد والبلاغة غير محددة تحديدا كافيا، وذلك نتيجة اضطراب منهج الدراسة الأدبية ومفهوم الأدب نفسه في دراساتنا الأدبية الى اليوم ، وإذا أردنا أن نحدد العلاقة بين الاثنين فعلينا أن نبدأ أولا بتحديد مفهوم النقد كما استقر عند المحدثين، وتحديد مفهوم البلاغة كما استقر عند القدماء. النقد ـ باختصار ـ هو دراسة العمل الأدبي دراسة تكشف عن قيمته من خلال خطوات ثلاث هي التحليل والتفسير والتقييم. وبديهي ان هذه الدراسة لا يمكن ان تتم الا في ضوء نظرية عامة يستند اليها الناقد، وتحدد له ماهية العمل الأدبي ووظيفته وأدواته. وأساس اختلاف النقاد في التعامل مع العمل الأدبي، وبالتالي اختلافهم في تقييمه، راجع الى اختلاف النظرية التي يستندون اليها، بمعنى أن الناقد الذي يؤمن أن العمل الأدبي (محاكاة) سوف يبحث في العمل الأدبي عن أوجه الشبه التي تربط بين ذلك العمل والعالم الخارجي، أما الناقد الذي يؤمن بأن العمل الأدبي (تعبير) فسوف يبحث عن الانفعالات الداخلية التي يجسدها العمل الأدبي أو ينقلها الى المتلقي، والناقد الذي يؤمن أن العمل الأدبي (خلق) سوف يبحث عن العلاقات الجمالية الخالصة التي يتكون منها العمل الأدبي بغض النظر عن المبدع الذي أبدع ذلك العمل، أو المتلقي الذي يتلقاه، أو العالم الخارجي الذي جاء منه. أما الناقد الذي يرى ان العمل الأدبي (انعكاس) ـ وهو المفهوم الجمالي للأدب الذي وصفته الماركسية اللينينية ـ فيبحث عن مدى ما يعكسه العمل الأدبي من صراع الطبقات، ومدى قدرة العمل الأدبي على تطوير هذا الصراع لخير الطبقة صاحبة المصلحة الحقيقية. وبديهي ـ والأمر كذلك ـ أن ينقسم النقد الأدبي الى قسمين: أولهما نظري، يحدد العناصر الأساسية للنظرية التي يستند اليها الناقد، وثانيهما: عملي أو تطبيقي، يتولى مهمة تطبيق عناصر النظرية على عمل من الأعمال الأدبية، رواية أو مسرحية أو قصيدة. العلاقة بين النقد النظري والنقد التطبيقي جدلية، يتأثر فيها كل طرف بقرينه بالقدر الذي يؤثر فيه. أما مفهوم البلاغة القديم فقد تحددت صورته بما جعل (البلاغة) تعني (المطابقة لمقتضى الحال)، وتنصب على الصياغة اللغوية التي يقوم بها البليغ. وهي بهذا المعنى تنقسم الى قسمين: أولهما بلاغة المتكلم، وهي ملكة تحتاج الى مران وممارسة وإلى قواعد تحدد هذه الممارسة. وثانيهما بلاغة الكلام، وهي القواعد التي تحدد هذه الممارسة على مستويات ثلاثة: هي مستوى المعنى الذي يحدد الطريقة التي يتجنب بها البليغ الوقوع في خطأ في المعنى. ومستوى البيان الذي يحدد الطرائق والأساليب التي يعبر بها البليغ عن المعنى الواحد بواسطة المجاز أو التشبيه أو الاستعارة أو الكناية. وأخيرا، مستوى البديع الذي يحدد وسائل تحسين الكلام عن طريق السجع والجناس والطباق، وما أشبه ذلك. هذه المستويات الثلاثة تكون العلوم الأساسية للبلاغة هي (علم المعاني وعلم البيان وعلم البديع). وتتشارك هذه العلوم في انها تقدم مجموعة من القواعد تحقق للكلام شروط الجودة التي تجعلنا نصف الكلام نفسه بالبلاغة، على أساس أن (البلاغة) صفة راجعة الى صياغة المعنى اساسا. وعلى هذا الاساس ناقش المحدثون البلاغة والنقد الأدبي، فجمعوا بينهما ـ من ناحية ـ وفصلوا بينهما، من ناحية أخرى. أما الزاوية التي تصل بين النقد والبلاغة فتنحصر في جانبين: أولهما أن البلاغة تشترك مع النقد الأدبي في موضوع واحد يدرسه كل منهما، هو العمل الأدبي. والجانب الثاني: ان البلاغة لم تنفصل عن النقد الأدبي وتتميز عنه الا في عصور الضعف الأدبي، حين تحول الأدب الى صياغة لغوية شكلية لا قيمة للمعنى فيها، وقد تم ذلك منذ القرن الخامس للهجرة، بعد وفاة أبي العلاء المعري آخر الشعراء القدماء الكبار. أما الزاوية التي تفصل بين النقد والبلاغة فتتحدد في أربعة جوانب: أولها أن البلاغة دراسة جزئية للغة العمل الأدبي، تتوقف عند الجملة والعبارة، أما النقد فهو الدراسة الكلية التي لا تميز جانبا عن جانب، بل تدرس جميع الجوانب متكاملة ومتفاعلة. وثانيها أن البلاغة تعنى بالشكل، أي بالصياغة اللغوية، أما النقد فيعني بالشكل والمحتوى على السواء ولا يفرق بينهما. وثالثها أن البلاغة باعتبارها (قواعد للصياغة) سابقة على العمل الأدبي، أما النقد فهو لاحق للعمل الأدبي، لا يوجد الا بعد انتهاء الأديب من عمله. واخرها ان البلاغة تركز على السامع، وتهدف الى الكشف عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال: أما النقد فيعنى بالعناصر المتكاملة للعمل، وهي المبدع والمتلقي والعمل ذاته، والعالم الداخلي أو الخارجي الذي يصوره العمل الأدبي. هذا الفهم يستحق المراجعة من وجهين. أولهما أنه فهم يقوم على الفصل بين الشكل والمحتوى، أو المعاني والألفاظ، أو الجزء والكل، ولذلك جعل البلاغة خاصة بالشكل والألفاظ والأجزاء، وجعل النقد خاصا بالكل لا بالجزء، وبالمحتوى وبالمعاني. ومادام العمل الأدبي وحدة واحدة لا يتميز فيها جزء عن كل أو شكل عن محتوى فإن الفصل بين البلاغة والنقد يغدو فصلا تعسفيا، لأن البلاغة شأنها شأن النقد لا يمكن ان تدرس جانبا من جوانب العمل الأدبي دون غيره، ولأن العمل الأدبي لا يمكن أن ينقسم الى منطقتين: منطقة خاصة بالبلاغة، وأخرى خاصة بالنقد. الدليل على ذلك أن الألفاظ التي تدرسها البلاغة وتتخصص فيها لا يمكن ان تنفصل عن المعنى، كما ان الشكل لا يمكن ان ينفصل عن المحتوى. وبالتالي لا يمكن تخصيص البلاغة بشيء دون النقد، بل يصبح كلاهما نشاطا واحدا لا ينفصل، أو يصبح كلاهما بمثابة اسمين لشيء واحد هو دراسة العمل الأدبي دراسة متكاملة، تراعي وحدة العمل الأدبي وعدم انقسامه أو انفصاله. أما الوجه الثاني فخاص بكيفية الدراسة الأدبية ومنهجها، ومرجعه الى خلط الدراسة الأدبية بأشياء ليست منها، ومن ثم توهم أن دراسة الأدب تشغل نفسها بالبحث عن المؤلف نفسه، أو عن العصر التاريخي الذي عاش فيه، وذلك بالقدر الذي تشغل فيه بدراسة العمل الأدبي. وفي ذلك خلط كبير بين دراسة ما حول النص الأدبي من حياة المؤلف وتاريخ الجماعة والعقائد والأفكار، ودراسة النص الأدبي نفسه من حيث علاقات لغوية متميزة ونتج عن ذلك قصر البلاغة على دراسة العلاقات اللغوية وتخصيص النقد الأدبي لما حول النص وتلك نتيجة مضللة لأن المجال الوحيد للدراسة الأدبية هو النص الأدبي، أما ما سوى ذلك فلا شأن للدراسة الأدبية به، جوهريا، ومن ثم فلا مجال للتمييز بين جانب خاص بالنقد وآخر خاص بالبلاغة ومادام الموضوع الأساسي للدراسة الأدبية هو النص الأدبي، ومادام النص الأدبي في النهاية هو مجموعة من العلاقات اللغوية، فلا سبيل الى دراسة العمل الأدبي الا من خلال هذه العلاقات. وإذا كانت العلاقات اللغوية التي يتكون منها العمل الأدبي لا ينفصل فيها لفظ عن معنى أو شكل عن محتوى، فلابد من التوحيد بين البلاغة والنقد، وجعلهما نشاطا واحدا لا نشاطين منفصلين. وعلى ذلك تصبح البلاغة جانبا من جوانب النقد الأدبي، هو الجانب التطبيقي الخاص بتحليل العلاقات اللغوية للجملة، أو العلاقات اللغوية للجمل التي يتكون منها النص الأدبي.