يمكن القول ان حملة التعبئة العامة التي شهدتها فرنسا في اعقاب الدورة الاولى من انتخابات رئاسة الجمهورية (21 ابريل الماضي» وحتى الدورة الثانية في الخامس من مايو الجاري، حققت هدفها تماماً، ليس بمنع زعيم «الجبهة الوطنية» المتطرفة جان ماري لوبن من تحقيق حلمه الكبير بالوصول الى «قصر الاليزيه» ـ وهو مجرد حلم على كل حال ـ بل بمنعه من تعزيز رصيده الانتخابي في الدورة الثانية من الاقتراع، للحيلولة دون استثماره في الانتخابات التشريعية المقررة في السادس والتاسع عشر من شهر يونيو المقبل. ولم يحدث ان اجمعت الصحافة الفرنسية على امرها، قدر اجماعها على التصدي لظاهرة لوبن واليمين المتطرف باعتبارها تشكل تهديداً خطيراً لفرنسا: قيمها، ديمقراطيتها، ثقافتها، انفتاحها، قيادتها الاوروبية، دورها العالمي وارتباطاتها المتوسطية. واتخذت الصحف من هذه الاعتبارات كلها مادة لحملة اعلامية مركزة استخدمت فيها مختلف الأساليب المتاحة: التعليقات المباشرة، الكاريكاتور، تم التغطية الصحفية الواسعة لردود الفعل الشعبية التي كانت المدن الفرنسية كافة مسرحاً لها ودعت هذه الصحف، دون مواربة، الى انتخاب جاك شيراك رئيساً للدولة، والحفاظ على قيم الحرية والديمقراطية والانفتاح التي ميزت فرنسا عبر تاريخها الطويل. كذلك فعلت التجمعات الثقافية الفرنسية، والوجوه الفنية البارزة في فرنسا، الذين شاركوا في العديد من النشاطات والتحركات المعارضة لليمين المتطرف، بما في ذلك المشاركة في التظاهرات الشعبية. اما الشارع الفرنسي فلم يهدأ على مدى الاسبوعين الفاصلين بين الدورتين الاولى والثانية، حيث شهدت مختلف المدن الفرنسية تظاهرات يومية حاشدة، توجت بتظاهرات الاول من مايو (عيد العمال) التي ضمت نحو مليون ونصف المليون شخص، ومع ان لوبن عقب على هذه التظاهرات بقوله «اريد اصوات الناخبين لا تظاهراتهم» فإن التظاهرات عكست بالفعل اصراراً شعبياً على منع اليمين المتطرف من بلوغ اهدافه، كما ساعدت في انجاح حملة التعبئة العامة التي شهدتها المرافق الاخرى في البلاد وكانت بمثابة التنبيه المتواصل الى المخاطر التي تهدد مستقبل فرنسا. ولكن ما ينبغي ملاحظته هو ان معظم التظاهرات التي شهدتها فرنسا، حركتها وقادتها الاحزاب والقوى اليسارية المتعددة. ومع ان هدفها الظاهر والمعلن هو التصدي لليمين المتطرف، كخطر داهم يجب وقفه بسرعة وحزم، الا ان هدفها الحقيقي هو اعادة الاعتبار لقاعدة اليسار الشعبية ورص الصفوف تمهيداً لخوض المواجهة الاخرى المقبلة: معركة الانتخابات التشريعية، والتي ستكون لا ضد اليمين المتطرف وحده وانما ضد اليمين التقليدي كله بمختلف احزابه وتشكلاته ورموزه. وهنا تكمن المواجهة السياسية الحقيقية في فرنسا. المعركة الأساسية هناك ثلاث ملاحظات رئيسية تحدد طبيعة الصراع السياسي على الساحة الفرنسية في المرحلة المقبلة: ـ الملاحظة الاولى، هي ان كثافة الاقتراع للمرشح جاك شيراك، التي قاربت الاجماع، وهو امر لم يحدث من قبل ـ باستثناء الاجماع الوطني الذي حازه الرئيس الراحل شارل ديجول باعتباره القائد الشرعي لفرنسا ومحررها من الاحتلال النازي ـ لم يكن تأييداً لشخصه او لبرنامجه الانتخابي، وانما لفرنسا ولقيمها ولصورتها المشرقة ودورها العالمي. وقد ادرك شيراك هذه الحقيقة جيداً منذ اعلان نتائج الدورة الاولى التي نال فيها نسبة متواضعة من الاصوات (19.88%)، ولذلك حاول في حملته الانتخابية اللاحقة ان يركز على المآخذ التي كانت السبب في تقلص قاعدته الشعبية، فزاد من تعهداته بمعالجة المشكلة الامنية التي استغلها لوبن لتعزيز رصيده الانتخابي، واعطاء مزيد من الاهتمام للقضايا الاجتماعية ومشكلة البطالة وتأمين فرص عمل اضافية للشباب. وفور اعلان فوزه الكاسح عاد شيراك ليؤكد على هذه التوجهات، مشيراً الى ان لديه برنامجاً شاملاً يتناول مختلف القضايا التي تثير شكوى الفرنسيين ومخاوفهم. واذا كانت ظروف الدورة الانتخابية الاولى وملابساتها خدمت شيراك شخصياً، حيث هزم خصمه ومنافسه الحقيقي على رئاسة الجمهورية ليونيل جوسبان، الا ان زعيم «التجمع من اجل الجمهورية» الديجولي يدرك جيداً ان معركة رئيسية اخرى مازالت تنتظره في يونيو المقبل، حيث يتعين عليه ان يكمل انتصاره بالحصول على اكثرية نيابية في الانتخابات التشريعية، وذلك حتى يستطيع المجيء بحكومة يمينية يتمكن من خلالها تنفيذ برنامجه الانتخابي، بدلاً من حالة «اللاسلم واللاحرب» التي يفترض ان يتعايش معها بوجود حكومة يسارية معارضة له تعمل على تنفيذ برنامجها الخاص، وليس برنامجه هو. لهذا سيعمل شيراك بقوة، من خلال حكومته الحالية التي شكلها بعد فوزه برئاسة جان ـ بيار رافاران حليفه المقرب، على اظهار مدى جديته في تحقيق وعوده، والسعي الى خلق انطباعات ايجابية عنه، بما يؤدي الى تحسين صورته «المشوهة» واستعادة ثقة المواطنين المتآكلة. فشيراك يدرك ايضا، وعلى نحو خاص، ان خسارته معركة الانتخابات التشريعية امام اليسار، واضطراره بالتالي الى الاستعانة بحكومة يسارية يتعايش معها مجدداً، سيذهب بما تبقى من رصيده السياسي، وسيحول ولايته الثانية الى نوع من الكابوس اليومي الذي لا يطاق. والملاحظة الثانية، هي ان الحزب الاشترالي شعر بعد هزيمة مرشحه في الدورة الاولى بانه «اخذ على حين غرة». وقد اظهرت ردود فعله الاولية المتسرعة مقدار مفاجأته وارتباكه واحساسه بثقل الهزيمة عليه. وظل لأيام عدة كمن فقد البوصلة التي يهتدي بها. فهو اختار بين ان يصب جام غضبه على شيراك واليمين الداعم له، أو ان يوجه حملته نحو لوبن واليمين المتطرف. وبعد ان استعاد وعيه، حسم امره في اتجاه تركيز حملته ـ مرحلياً على اليمين المتطرف لازاحته من الطريق، ولو اضطر، مزعماً لدعم ترشيح خصمه اللدود جاك شيراك، طالما ان لا خيار آخر امامه سواه، على أن يستأنف بعد ذلك مواجهته الحقيقية مع اليمين التقليدي مستعيداً صورة صراعه الطويل والمستمر معه. وفي اطار هذه الاستراتيجية فان توجه الاشتراكيين خصوصا، واليسار عموماً، لدعم جاك شيراك في انتخابات الرئاسة، لم يمنعهم من تسليط انتقاداتهم على صفاته الشخصية محاولين التمييز بين ضرورات مواجهة الخطر الداهم الذي يشكله اليمين المتطرف على فرنسا كلها من خلال اسقاط مرشحه لوبن ومنعه من الحصول على نسبة عالية من الاصوات، وواقع الصراع المستمر مع جاك شيراك وما يمثله بعيداً عن موجبات اللعبة السياسية الراهنة. انتقام اليمين ولابد من الاشارة الى ان اليسار لعب دوراً رئيسياً في تحرك الشارع الفرنسي وفي تحشيد المتظاهرين يوميا، وهو بذلك لم يكن يريد الرد على اليمين المتطرف فحسب، بل كان هدفه الحقيقي استعادة قاعدته الشعبية اولا ثم مواجهة اليمين الفرنسي كله في المعركة التالية التي تنتظره. واليسار اذ يحاول بذلك ان يعوض عن هزيمته المرّة في انتخابات الرئاسة، يفتح الباب للعودة بقوة اكبر عبر البرلمان، على أن تكون فترة السنوات الخمس المقبلة بمثابة مرحلة للاعداد للانتخابات الرئاسية المقبلة في العام 2007. وهو اذ يضع امامه هذا الهدف الاستراتيجي، يؤكد أنه سيحاول الاستفادة من دروس تجربته السابقة، خصوصاً في «حكومات التعايش» التي اعترف رئيسها جوسبان، لاحقا وبعد فوات الاوان بارتكاب العديد من الاخطاء والهفوات ابرزها عدم رؤية بعض المشاكل الرئيسية على حقيقتها، وفي مقدمتها المشكلة الامنية، بالاضافة الى التهوين من شأن المطالب الشعبية، لاسيما تلك المرتبطة باوضاع الشباب. واذا كان اليسار وافق على ان يشرب «الكأس المرة» بالاقتراع لمرشح اليمين جاك شيراك، للمرة الاولى في تاريخه، ويساهم في منحه هذه النسبة العالية من الأصوات 82.21%، إلا انه يشعر بأنه يملك القدرة على استعادة المبادرة لاحقاً، واعادة الصراع الى قواعده القديمة. وستكشف الاسابيع القليلة المقبلة الى اي مدى يمكن ان تترجم هذه الثقة، بالنفس الى حقائق على الارض والى أصوات في صناديق الاقتراع. ـ اما الملاحظة الثالثة فهي ان اليمين المتطرف، المهزوم في انتخابات الرئاسة سيحاول الانتقام من الرئيس شيراك واليمين التقليدي ـ كما يؤكد جان ماري لوبن ـ بتكرار اللعبة التي مارسها في الانتخابات التشريعية السابقة، والتي ادت ـ كما يقال ـ الى فوز اليسار بأغلبية المقاعد، فلوبن، الذي يتباهى الآن ـ على رغم هزيمته ـ بأنه حظي بتأييد خمس الشعب الفرنسي، يشعر بأن معركته الحقيقية هي ضد اليمين التقليدي، وليس ضد اليسار ـ الذي يكرهه ـ كونه يتقاسم مع الاول القاعدة الشعبية فيتجاذب الجانبان بعض القوى والشرائح الاجتماعية التي لا تحسم مواقفها عادة، فهو لا يستطيع ان يأخذ شيئاً من اليسار، لكن بإمكانه ان يسبب ضرراً لمرشحي اليمين التقليدي من خلال التواطؤ ضدهم، وكذلك عبر مواصلة التركيز على القضايا التعبوية التي استخدمها من قبل لتعزيز رصيده الانتخابي. والمحللون يرون ان لوبن لن يستطيع ايصال مجموعة نيابية كبيرة الى البرلمان، بعدما تبين حجم قاعدته الانتخابية، لكن ما يهمه الآن هو الانتقام من اليمين التقليدي الذي تصدى له بقوة وجعل منه الخطر الاكبر الذي يهدد فرنسا ونظامها الديمقراطي. وليس امام لوبن إلا ان ينغص على هذا اليمين ـ المناويء ـ انتصاره وفرحته، بالعمل على انجاح اكثرية اشتراكية تقاسم شيراك الحكم وتحول دون استكمال انفراده بالسلطة. واذا ما تحقق له ذلك، وهو احتمال وارد حتى من دون جهوده الخاصة، يصبح استغلال التناقضات المتوقعة بين الطرفين هدفه الرئيسي في المرحلة التالية. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا