اجتماع اللجنة المركزية لحزب الليكود الاسرائيلي الذي فاز فيه بأغلبية ساحقة اقتراح برفض قيام «الدولة الفلسطينية»، فيه اكثر من موعظة فهو من ناحية يقدم الى السلطة الفلسطينية ـ ومن ورائها كثير من الانظمة العربية ـ نموذجاً للاسلوب الديمقراطي في معالجة القضايا المصيرية، ومن ناحية اخرى ينسف اسس التوجه التبريري الذي تبنته قيادات عربية مؤخراً ومعها القيادة الفلسطينية، لاقناع الشعب الفلسطيني بأن السلام مع اسرائيل صار قاب قوسين او ادنى. لقد انعقد اجتماع اللجنة المركزية للحزب الاسرائيلي الحاكم لينظر في مذكرة تطلب من الاعضاء البالغ عددهم 2600 عضو عدم الموافقة على اقامة دولة فلسطينية، وتبنى هذه المذكرة تيار داخل الحزب بزعامة رئيس الوزراء السابق بنيامين نتانياهو في مواجهة تيار آخر بزعامة رئيس الحكومة الحالي ارييل شارون وبعد نقاش محموم لعدة ساعات عرض الاقتراح على التصويت برفع الأيدي ففاز بأغلبية ساحقة. وبغض النظر عن الموضوع المطروح امام اللجنة، فان اي مراقب حيادي نزيه يجب ان يعجب بالاسلوب الديمقراطي المؤسسي الذي عرضت به القضية، عند المقارنة مع الاسلوب الذي تتبناه قيادة السلطة الفلسطينية. اننا بازاء زعيم اسرائيلي حاكم تولى السلطة عبر انتخابات رئاسية لا يشك احد ـ داخل اسرائيل او خارجها ـ في حريتها ونزاهتها. ورغم ذلك فإنه لا يستطيع ان ينفرد باتخاذ قرار بشأن قضية تمثل المرتكز الرئيسي لسياسته الخارجية فهو لا يملك سلطة بلا حدود.. ولذا فإنه يضطر للرجوع الى اجهزة حزبه لتحسم الامر عن طريق المناقشات الحرة التي تفضي في النهاية الى قرار جماعي يتخذ بأسلوب التصويت الحر. اجل.. ان اسرائيل تتفوق علينا بقوة السلاح لكن تفوقها الاعظم علينا هو ان سياساتها وقراراتها وتحركاتها تتبلور من جماعية ديمقراطية ذات شفافية، بينما تتخذ السياسات والقرارات والتحركات على الطرف العربي وفقاً لانفرادية ذاتية في اطار شلة تجتمع عادة في الخفاء. وليس بوسع قيادة السلطة الفلسطينية ان تحاجج بأنها تعيش ظرفاً استثنائياً يتطلب تعطيل الآليات الديمقراطية، بما في ذلك التشاور الجماعي اما في اطار منظمة التحرير الفلسطينية او اللجنة الوطنية لقيادة الانتفاضة التي تتكون من قادة الفصائل الوطنية والاسلامية، فالدولة الاسرائيلية على الطرف الآخر تعيش ايضاً ظرفاً استثنائياً مماثلاً.. ومع ذلك لا تلغى دورة انتخابية شعبية ولا يعطل برلمان. لنأت الآن الى مدلول قرار حزب الليكود الاسرائيلي الحاكم بشأن رفض قيام دولة فلسطينية، اولاً: ينبغي ان نتنبه إلى ان وقوف جناح شارون ضد اقتراح رفض الدولة الفلسطينية،لا يعني ان هذا الجناح يوافق حقاً على قيام دولة مستقلة للشعب الفلسطيني فمن الناحية الجوهرية فإن موقف جناح شارون لا يختلف اساساً عن موقف الجناح المناوئ الذي يقوده نتانياهو. ان شارون يرفض بشراسة قيام دولة حقيقية للفلسطينيين. لكنه بحكم منصبه الرسمي كرئيس للحكومة يحرص على عدم الجهر رسمياً بموقفه حتى لا يثير زوبعة دولية ضد اسرائيل ـ على عكس خصمه ـ ومنافسه نتانياهو الذي لا يضطر الى التحدث بلغة دبلوماسية لانه لا يشغل منصباً حكومياً في الوقت الحاضر. ومما يفضح حقيقة موقف شارون انه طلب خلال اجتماع المركزية «تفادي اتخاذ اي موقف بخصوص اقامة دولة فلسطينية من شأنه تعقيد موقف اسرائيل دولياً». ومعنى ذلك ان السياسة المفضلة لدى شارون هي المضي في تطبيق اجراءات عملية على الارض ـ مثل التوسع المستمر في بناء المستوطنات على الاراضي الفلسطينية ـ تجعل من قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة امراً مستحيلاً من الناحية العملية.. دون ان يكشف اجندته علنا على العالم. والسؤال الذي يطرح عربياً الآن في ضوء القرار «التاريخي» للجنة المركزية لحزب الليكود هو: ماذا تقول القيادة الفلسطينية التي درجت مؤخراً على تبني سياسة حظر العمليات الاستشهادية لتحاشي «استفزاز» اسرائيل؟ وماذا تقول القيادات العربية التي اخذت بدورها مؤخراً التبشير بأن جورج بوش يوافق على اقامة دولة فلسطينية بعد ان اقتنع «بتغيير» السياسة الامريكية تجاه الشرق الاوسط؟ لقد قطعت «جهينة» الاسرائيلية قول كل خطيب!