بعد الحادي عشر من سبتمبر رفع اخصائيو الإعلام الرسمي في أميركا شعارا يقول ببساطة شديدة: ان اتباع السياسات السليمة (أو الصحيحة) ليس أمراً كافياً. إن على واشنطن ان تقنع ناقديها بأنها فعلاً على حق. ولقد توقفنا في أول هذه السطور عند مصطلح «الرسمي» وصفاً للإعلام لأن أهل الميديا الإعلامية في أميركا لا يحبذون هذا الوصف ويعدونه بمثابة اشارة الى ان الإعلامي أصبح مجرد موظف مستخدم عند ادارات الحكومة ودوائر البيروقراطية. ومن ثم يجري التعامل مع منتوجاته الإعلامية على انها بروباجاندا تروج لأفعال الحكومة أو بالأدق افاعيلها في بعض الاحيان، أو ان هذه المنتوجات هي في التحليل الأخير مجرد نشرات حكومية أو منشورات رسمية قد يصدق عليها القول المأثور حول «من يأكل خبز السلطان لابد وان يضرب بسيفه أو ان ينطق بلسانه» حتى ولو كان يحمل هذا السلطان لقب صاحب فخامة أو ساكن في البيت الأميركي الأبيض. مع هذا كله فإن المحلل السياسي لا يملك سوى ان يرصد عملية مراجعة شاملة لأجندة الإعلام التي تمارسه الأجهزة والمؤسسات ومنظومات الميديا التي تحمل رغم كل شيء صفة رسمية لأنها مملوكة في الأساس وممولة في الجوهر من جانب حكومة الولايات المتحدة كي تعبر عن سياساتها وتنطلق باسمها. وقصاراها مثل كل جهاز إعلامي ذكي ومحترف ألا تفعل ذلك بطريقة مباشرة أو بأسلوب سوقي مبتذل وإنما هي تقوم بدورها هذا من منطلق درجة تعلو أو تدنو من الاحتراف المهني الذي يحترم المستمع أو القاريء أو المشاهد في كل حال. ثم يسترعي اهتمامنا بشكل خاص ان عملية الجرد الإعلامي هذه للميديا الرسمية الأميركية تركز بالذات على وطن العروبة والعرب وعالم الإسلام والمسلمين وربما يبدأ هذا الاستعراض الموضوعي لما آل اليه الإعلام الأميركي في تلك المناطق العربية والأقاليم الاسلامية بنظرة مصارحة ينطلق منها أحد كبار الاختصاصيين في هذا المجال وهو الاستاذ أنتوني بلنكن الذي يعمل في الوقت الحالي زميلاً باحثاً في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، فيما عمل ـ وهذا هو الأهم ـ خبيرا في مجلس الأمن بالبيت الأبيض. يقول انتوني بلنكن في دراسة نشرها مؤخرا: في العالمين العربي والاسلامي قلما تجد من سفراء أميركا من يشارك بنشاط في التعامل مع الميديا المحلية أو مع تجمعات الطلاب (الشباب) أو مع المنظمات الأهلية غير الحكومية أو مع القيادات الروحية والقادة الدينيين، مثل هذه النوعية من السفراء هي الاستثناء وليس القاعدة ذلك لان سفراء أميركا هم في الاساس معينون لاعتبارات سياسية وغالباً لا يتكلمون لغة البلاد التي يوفدون اليها ومن ثم لا يكادون يصلحون لاداء دور الناطق او المعبر عن آراء الولايات المتحدة او مصالحها. اما ادارات او دوائر العلاقات العامة (الاعلام) داخل تلك السفارات فغالباً ما تكون قليلة من حيث الافراد فقيرة من حيث التمويل ثم ان اتباع اجراءات طلب موافقة المستوى الاعلى قبل اقرار سياسة اعلامية ما على المستوى الجماهيري غالباً ما تكون عملية مضنية مطولة وحين تأتي معها الموافقة المنشودة تكون القضايا المطروحة او المطلوب معالجتها قد اصبحت ـ كما يقولون ـ غير ذات موضوع. اذاعة «صوت أميركا» من هنا يظل الاعتماد ـ كما اشار خبراء الاعلام مؤخراً في واشنطن ـ على شبكة الاذاعات الخارجية المسموعة التي تحمل عنوان «صوت أميركا» وتعد هذه الشبكة الاذاعية واحدة من منظومة ثلاثية ما زال الخبراء يشيدون بفعاليتها ابان سنوات الحرب الباردة وكانت هذه الشبكة تضم الى جانب صوت أميركا كلا من راديو ليبرتي وراديو اوروبا الحرة ويضيف الخبراء ان هذه الاذاعات كانت تصل الى نحو 50 في المئة من سكان الاتحاد السوفييتي كل اسبوع والى نحو 80 في المئة اسبوعياً من سكان دول شرق اوروبا التي كانت طيلة نصف القرن المنصرم دائرة في فلك الكرملين السوفييتي. في هذا المضمار بالذات نلاحظ ان الخبير الأميركي انتوني بلنكن يحذر قائلاً: ـ ان الاحصاءات تقول حالياً ان 2 في المئة فقط من العرب هم الذين يستمعون الى راديو صوت أميركا.. ويضيف بلنكن مشدداً: ـ وقد حان الوقت الى ان تعيد الولايات المتحدة اكتشاف هذا الصوت الناطق باسمها. نسبة استماع تعيسة ولقد نضيف نحن من جانبنا ان هذه النسبة التي لا نملك سوى وصفها بأنها ضئيلة الى حد التعاسة لها أسباب نراها جوهرية ولم يوضحها خبير السياسة والاعلام الأميركي وهي اسباب بعضها يرجع الى نوعية القضايا المطروحة وبعضها يرجع الى مصداقية السياسة الأميركية الماضية والراهنة لدى جماهير الامة العربية وبعضها يرجع الى عوامل موضوعية او تاريخية ولقد تلخص ما نراه في نقاط وجيزة على النحو التالي: ـ ان القضايا التي تهم جماهير الامة العربية لم تعد تماثل تلك التي كانت تهم جماهير السوفييت او دول شرقي ووسط اوروبا. جماهيرنا معنية بقضايا الحتمية وقضايا النهضة وقضايا الحديث قبل قضايا الصراع الايديولوجي الذي كان محتدما خلال الحرب الباردة بين الرأسمالية والشيوعية أو بين الأميركان والسوفييت. جماهيرنا العربية لديها ايضاً قضية محورية هي قضية الصراع بين الاستعمار الصهيوني وحركة التحرير الوطني الفلسطيني وهو بداهة ليس صراعاً حول طروحات عقائدية ولكنه صراع حياة وموت حول وطن مغتصب وحق مستلب وارادة تنشد اقرار الحق الجوهري الاول من حقوق الشعوب ذلك المتعلق بتقرير المصير ونيل الاستقلال وانشاء الدولة للشعب الفلسطيني فوق ترابه الوطني. ان مصداقية السياسة الأميركية في اخلاد العرب وفي اذهان جماهيرهم باتت في حال من التآكل والتضاؤل، ورغم ان علاقات العرب مع أميركا بدأت ايجابية حيث لم يكن ثمة مواريث استعمارية لأميركا ولا ثارات متخلفة بينها وبين العرب من عهود الامبريالية التي ذاقت الامة العربية جانباً من لهيبها في مشرق وطنها وفي مغربه الا ان التأييد المغرور والمساندة التي ظلت على طول الخط من جانب أميركا لاسرائيل مضت تقيم ـ على توالي الحقب السياسية والادارات المتوالية في البيت الابيض ـ سدا متصاعداً باطراد من التوجس وعدم الثقة بين العرب وأميركا. ورغم ان علاقات الطرفين قد شهدت مراحل انتعاش وتفاعل ايجابي بحكم تجذر المصالح المشتركة بينهما، وبحكم احتواء الحياة والعلم والفكر والابداع في أميركا على منجزات مرموقة ظل العرب يتطلعون ـ موضوعياً ـ الى الافادة منها، رغم هذا كله فقد جاءت الادارة الحالية ـ الجمهورية في رئاسة أميركا لتزيد من جانبها في ارتفاع سد الغضب العربي ازاء سياسات واشنطن. وفيما كان ارييل شارون يوجه دباباته لقتل مئات المدنيين في مخيمات اللجوء والشقاء في الضفة الغربية التي يرسخ فيها قوائم الاحتلال القسري ويواصل على ارضها فرض مستعمرات استيطانية عنصرية بدورها، ورغم ان شارون وليس غيره مازال موصوفا بانه ارهابي وسفاح ومجرم حرب لا على ألسنة خصومه العرب وحدهم بل من جانب قطاعات لا سبيل الى التهوين من قدرها وصدقيتها في الرأي العام العالمي وفي مقدمتهم مثلا عدد من الاعلام حاملي جوائز (نوبل الرفيعة) رغم هذا كله يفاجأ العرب بان رئيس أميركا يخلع على شارون هذا لقب ـ رجل .. السلام. وبعدها يظل خبراء الاعلام الأميركان يتساءلون في استغراب ـ نحن من جانبنا نستغربه ـ عن سبب ضآلة نسبة المستمعين في العالم العربي الى اذاعات صوت أميركا! .. مع ذلك فمن العوامل الموضوعية لضآلة النسبة المذكورة ان راديو لندن مازال حائزا ـ لاسباب تاريخية ومهنية ايضا ـ على مركز الصدارة من حيث الاستماع والمتابعة وقدرة التواصل مع المستمعين في العالم العربي ولا سبيل الى زحزحته عن هذه المكانة سوى بخدمات اعلامية تعكس اهتمامات الناس وتتواصل ـ ولو الى حد مقبول انسانيا ـ مع قضاياهم وهمومهم .. فلا تستفز مشاعرهم بأحاديث عن شارون ـ حمامة السلام ـ ولا عن العالم العربي ـ معمل تفريخ الارهاب ومدرسة تخريج الارهابيين، دع عنك ان يتناقل الاعلام الأميركي الموجه عبر الحدود تهديدات وزير الحرب رامسفيلد وتصريحات اشكروفت مسئول العدل الذي تجاهل ابسط وارسخ قواعد العدل الموروثة حتى من ايام الرومان. ومن العوامل الموضوعية التي نحن بصددها ايضا عامل انتشار التلفزيون والاعلام الفضائي وهو ما يحول دون قدرة الراديو المسموع على جذب الجماهير المتلقية لرسالته الاعلامية وهو ايضا ما يجعل عامل الجذب الوحيد هو الصدق ـ المهني قبل اي عوامل اخرى قد تتعلق بالتشويق أو الابهار. نشوة الانتصار البارد ونحسب ان المحللين الأميركيين مازالوا يعيشون نشوة انتصارهم الاعلامي على الخصم السوفييتي. وقد تحقق لهم هذا النصر من خلال وكالة الاعلام الأميركية التي انشأها الرئيس الاسبق ايزنهاور عام 1953 وظلت تمارس انشطتها كهيئة حكومية مستقلة ذاتيا خلال حقبة الحرب الباردة من اجل الدعاية لسياسات الولايات المتحدة من جهة والتأثير على خصومها (في المعسكر الشرقي) من جهة اخرى. وربما غاب عنهم ان هذا الفوز على الخصم السوفييتي لم يتحقق اساسا بفضل النجاح الاعلامي الباهر بقدر ما تحقق بحكم اسباب هيكلية بنيوية كانت كامنة في البناء السوفييتي ذاته وكان في مقدمتها التجمد العقائدي عند طروحات نظرية يرجع عمرها منذ أيام كارل ماركس وفردريك انجلز الى 140 عاما ويزيد، وان هذه الدوجماسية العقائدية افضت الى بيروقراطية، حزبية انفردت بالرأي والامتيازات واستغلت وجود قيادات طاعنة في السن على قمة السلطة في الكرملين او قيادات انتهازية على قمة السلطة، في كثير من اقطار المنظومة الشيوعية، وحال هذا كله بين تلك المنظومة وبين مواصلة التطور كي تتحدث لغة الربع الاخير من القرن العشرين ولعلها اكتفت في حقبة غروب الشمس السوفييتية بالعيش على ما استطاع الاتحاد السوفييتي ان يحرزه بحق من انجازات علمية في مجالات الطاقة النووية والفضاء وغيرها. وتؤدي قراءة التطور الذي شهده الاعلام الرسمي الأميركي منذ اواخر الثمانينيات الى ان القوم شعروا بزهو النصر على الخصم فاستعدوا مع حقبة كلينتون في التسعينيات لنوع من الاسترخاء في الجانبين الاعلامي والعسكري على السواء بمعنى ان ادارة كلينتون قامت بخفض الاعتمادات المرصودة لاجهزة الاعلام الرسمية فيما خفضت ايضا الاعتمادات المخصصة لاغراض التسلح او بالأدق الغت عدداً من المشاريع المتعلقة بمنظومات سوبر متطورة، رهيبة التكاليف من الاسلحة المتطورة. انخفاض ميزانية الاعلام والحاصل ان الفترة الفاصلة، بين عامي 1989 و1999 شهدت انخفاضاً في الميزانية الاعلامية للحكومة الأميركية بنسبة 10 في المئة او بمقدار 150 مليون دولار، كما شهدت الحاق وكالة الاعلام الأميركية لتشكل احدى الادارات التابعة لوزارة الخارجية مما اوجد شعوراً بعدم الارتياح بين الفصيلين الاعلامي والدبلوماسي لدرجة يقول معها المراقبون في واشنطن ان الاعلاميين يشعرون في اروقة الخارجية انهم مواطنون من الدرجة الثانية فضلا عما يعانونه من عقبات واختناقات من جراء ما يسود الخارجية من قواعد ادارية واجراءات بيروقراطية تتنافى بداهة مع ما يقتضيه العمل الاعلامي من المرونة وسرعة ـ آنية احيانا ـ في اتخاذ القرار. صحيح ان هناك من يقول في اروقة السياسة الأميركية الحالية.. ولايهمنا.. نحن اقوى دولة في العالم.. ونحن اعتى قوة في المعمورة.. بل نحن القوة العظمى الوحيدة.. الخ. لكن الصحيح ايضا ربما بنفس المقياس، ان هذه القوة العظمى وحيدة زمانها، ستظل في ضوء هذه الحقيقة بالذات بحاجة الى معونة الآخرين. التناقض والنجم الجديد ذلك هو تناقض القوة الاسرائيلية كما يسميه البروفيسور جوزيف ناي من جامعة هارفارد وهو بالمناسبة احد النجوم الصاعدة في مجال خطاب التنظير الفكري في أميركا.. وربما نصفه في سياقنا هذا بأنه هنتنجتون ـ العقد الحالي ـ تماما كما كان سلفه مطروحا باستمرار في العقد السابق. وقد تطرق ناي الى حقيقة هذه المفارقة بين وضعية أميركا كقوة عاتية جبارة تعلو على غيرها وبين وضعيتها كقوة ستظل بحكم التعريف بحاجة الى هذا الغير ـ قوة مستطيعة بغيرها كما يقول التعبير الشهير المأثور عن الشاعر العربي الشهير «ابو العلاء المعري». ولهذا السبب عمد البروفيسور جوزيف ناي الى ان يختار لكتابه المهم، الصادر في ربيع العام الحالي عنواناً يقول: «تناقض القوة الأميركية: لماذا لا تستطيع القوة العظمى الوحشية في العالم ان تمضى بمفردها على الطريق». هذا التناقض يحاول ان يفسره ايضا الخبير السياسي ـ الاعلامي انتوني بلنكن فيقول: ـ ان الطابع عبر الوطني الذي باتت تتسم به مشاكل أميركا لا يصلح معه الحلول الانفرادية فالعولمة ظاهرة تلغي الحدود التي كانت ذات يوم تحمي أميركا والعولمة في الوقت ذاته تشكل سلاحاً يمكن ان يستخدمه اعداؤها وعليه فأي مشكلة قد تقع عند طرف ناء من اطراف كوكبنا يمكن ان تلحق آثارها بأميركا «ومصالحها» سواء جاءت هذه المشكلة على شكل كارثة اقتصادية او وباء منتشر او سرقة سلاح من اسلحة التدمير الشامل.. كل من تلك المشاكل واضرابها يمكن ان تصل عواقبها الى اعتاب الدار الأميركية.. وايا كانت الاستجابة التي تختارها أميركا للرد على اي من تلك المشكلات وسواء جاءت تلك الاستجابة على شكل تفاعل مباشر يتعاطى مع المشكلة او جاءت على شكل محاولة احتواء لابعادها او على شكل جهد عملي للقضاء عليها من اجل تصفية آثارها. فإن هذا كله يقتضي طلب العون من اطراف اخرى. بعد ذلك يمضي انتوني بلنكن الى وضع مسودة تقرير بمقترحات محددة لاعادة رسم سياسات الاعلام الخارجي للولايات المتحدة مستعينا في ذلك بتجربته الطويلة سواء في مجال العمل الاعلامي او بحكم عضويته السابقة في مجلس الامن القومي بالبيت الابيض. يلفت النظر ان التقرير المقترح يحوي 12 توصية نرى ان من واجبنا ان نوفيها حقها مع قارئنا من حيث العرض والمناقشة والتحليل فالامر مهم وأميركا بدأت بالفعل هجمتها الاعلامية في ظل شعارها المطروح وهو: ان تكسب عقول وقلوب العرب. فالى الجزء الثاني ـ الاخير من هذا الحديث ان شاء الله. ـ كاتب سياسي من مصر