جسم محدود:الانسان جسم محدود الطاقة لا يستطيع بكيانه هذا ان يخرق الارض أو يبلغ الجبال طولا، ورب قائل بجهل بل إنه بلغ الجبال وخرق الأرض، بما اخترع وابتكر، والحقيقة ان ذلك بلوغ يدل على القصور وقدرة دلت على حقيقة العجز، فبلوغ الانسان الجبال وما كان أعْلى من الجبال واختراقه للارض ليس إلاّ دليلاً على عجز جسمه وبدنه عن كل ذلك، فاضْطُر مُدللاّ على ذلك العجز إلى أن يستعين بما حوله مما وقع عليه نَظَرُهُ ففكر كيف يبلغ به الجبال ويخرق الأرض فكان في ذلك دليلاً على عجز مادة جسمه، وما قدرته تلك إلا قدرة خارجة عن مادة جسمه داخلة فيما لا مادة له وهو العقل واعمال الفكر الذي هو معنى اكثر منه مادة. اما الدماغ وما حُشي به من تلافيف المخ المحسوسة فما هي الا الياف هي ذاتها موجودة عند العاقل والمجنون، عند الغبي والذكي، عند المرأة والرجل، عند الغني والفقير، عند العالم والجاهل، وليس ذلك إلاّ دليلاً على أن العقل غير المخ وأنه كالروح ترى أثرها ولا ترى جسمها أو بالأحرى ترى جُرمها ولا ترى جِرمها، والجُرم بضم الجيم فعل وأثر صادر عن الجِرم بكسر الجيم وهو الجسم. وكل جِرم له جُرم أي فعل الا العقل والروح فإنهما جُرم وارتكاب وفعل وأثر محسوس ولا جِرم ملموس. مُلك كاذب الكل يدعي ملك الاشياء إذا تسلط عليها وتمكن من التصرف بها ساعة أو يوماً أو شهراً أو دهراً. والكل ساع الى تملك الاشياء لاهث وراء ذلك ولكنه في في الحقيقة مالك وغير مالك، هو مالك بالاسم، مالك على الورق لكنه في الحقيقة صورة الملك وليس الملك على الحقيقة. فالانسان لا يملك من المال الا ما صرف وانفق ولا يملك من الثياب الا ما لبس فأبلى ولا يملك من الطعام الا ما أكل وأفنى ولا يملك من الارض الا ما شغل وسكن وهو لا يسكن الا المحدود من الارض ولا يشغل من ذلك المسكن أكثر مما يزيد على حجم جسمه اذا نام وما لا يزيد على حجم جلسته اذا جلس ولا يملك من ماله الا ما أكل به ولا يأكل الا ما يملأ وعاءه وهو بطنه وليس الانسان وعاء بطن مهما بلغ من عِظم وضخامة ان يأكل الا ما يحتاجه جسمه وما يقوم بكتلة جسمه ويقيم صلبه فإذا كان شرِها أكولا يأكل ما لا يحتاجه ظهر عليه ذلك مرضا وضعفا لا يأتي مع الهزال والنحافة بل مع البدانة والضخامة والترهل. تأمل أخي هل تأملت الاشياء من بعيد كيف تراها، هل يمكنك ان تميز ألوانها وأحجامها وأطوالها وأشكالها ومادتها؟ هلا تأملت سيارتين ذاهبتين الى البعيد في الظهيرة؟ هل بوسعك ان تعرف ايهما الأكبر من الاخرى ام أيهما الاجمل لونا والاحدث صنعا ام الاغلى ثمناً أم الاكثر سرعة؟ حتما لا، ليس بوسعك ذلك، ولكنك بوسعك ان تدرك انك مثلما ترى تلك الاشياء من بعيد فلا تعطيها قيمة لان الاشياء اذا ابتعدت عنك تلاشت وتلاشى من فيها. كذلك الاخرون اذا وليت عنهم مهما كنت وكان منصبك وكانت وسيلة انتقالك لن يميزوك عمن هم اقل منك أو أعلى فأنت ومن هم دونك ومن فوقك سواء في فضاء الناس البعيد. فهل يكون لك ذلك زاجراً ألا تتعالى ولا تتكبر ولا تغتر بما تملك لانك وما تملك مهما بلغت وبلغ لا تتميز على سواك مهما قل ودنا اذا ضمكم الفضاء البعيد في عيون الناس. المسرح يقال ان اوائل من بذر بذور المسرح هم الأغريق والرومان فكان المسرح مأساة وملهاة وما كان ذلك الا محاكاة للحياة التي هي مأساة وملهاة، وما الحياة الا الدنيا التي لا يعلم حالها كما يعلمها خالقها الذي أعلن لنا وأعلمنا بحقيقتها ونحن بدو اعراب أشتات في الجزيرة العربية لا نعرف عن فنون المسرح الاغريقي ولا الروماني شيئاً ولا نعلم عن محاكاتهم للدنيا شيئا، فقبل معرفتنا بذلك اعلمنا الرحمن بحقيقة الدنيا وانها «لعب ولهو» ولقد قدم الرحمن صفة اللعب واللهو اي صفة الملهاة لنا وترك صفة المأساة نتيجة ندركها نحن وهي أن المأساة الحقيقية هي مأساتنا بعد الحياة اذا لم ندرك في الحياة ان الحياة لعب ولهو، واخذناها مأخذ الجد المنسي لما بعدها الذي هو الحياة الحقيقية. ــ ونحن في الحقيقة لسنا الا ممثلين على مسرح الحياة نأخذ أدوارنا الواحد تلو الآخر، فكم من طفل جاهلٍ صغيرٍ كان يخشى الشرطي في الشارع كبر وأخذ دور الشرطي! وكم من ولد خجول يخشى ان يرى لصاً قام بدور اللص اذا كبر! وكم من شرطي ولص وقائد وطبيب أجبره المرض والكبر والعجز على ان يتخلى عن دوره ذلك في مسرح الحياة، لذلك الطفل الجاهل الصغير الذي كبر فحان دوره، وتلك هي الحياة في حقيقتها مسرح الملهاة فيه تسبق المأساة.