في المجتمعات التي تتمتع بقدر من الحيوية، تثور بين الحين والآخر دعوات المراجعة ووقفات التأمل وتقييم المسارات والاتجاهات العامة. هذه ظاهرة صحية بالنسبة لأكثر المجتمعات، تطورا وأقلها معاناة للاشكاليات والمعضلات الداخلية والخارجية. لكنها تمثل للمجتمعات المطحونة، التي تواجه قضايا مصيرية، مسألة حياة أو موت، وجود أو عدم. وهذا هو شأن المجتمع الفلسطيني. ورغم ان الحاجة الى هذه الدعوات لا ترتهن بفواصل زمنية أو موضوعية بعينها، باعتبار ان نهر الحياة يفرضها على الأمم الحية بصفة دورية، الا أنها تلح أكثر في اليوم التالي لوقوع أحداث جسيمة، كالحروب والأزمات الاقتصادية الكبرى أو حتى الكوارث الطبيعية الموجعة. اذا أخذنا بهذه المعايير وأشباهها، وضعنا أيدينا على الأسباب الحقيقية التي أدت الى تردد دعوة الاصلاح واعادة النظر بين يدي الحالة الفلسطينية غداة الاجتياح الاسرائيلي الأخير. والواقع ان هذه الدعوة ليست قضية استثنائية أو طارئة. فقد عرضها المجتمع الفلسطيني من قبل بعدد النكبات والفواجع التي تعرض لها على مدار صراعه المؤلم والدامي ضد الغزوة الاستيطانية الصهيونية. ومن أشهر الأمثلة في هذا الاطار، ما جرى بعد هزيمتي 1948و1967 وطرد المؤسسات الفلسطينية بالقوة من الأردن 1970-1971 ثم من لبنان 1982. وهناك التناظر المعمق الذي أثير فلسطينيا على هواجس معطيات فارقة، كالذي حدث بصدد المشاركة من عدمها في جهود التسوية السلمية للصراع الاسرائيلي العربي برمته بعد حربي أكتوبر 1973 والخليج 1991. ولنا ان نلاحظ كيف أضافت تفاعلات الاجتياح الأخير وقودا الى النقاشات الفلسطينية (والعربية نسبيا) الموجودة أصلا بشأن آليه التسوية عبر اتفاق أوسلو وتوابعه. وهذا تسلسل منطقي، اذ لايمكن عزل الاجتياح وحديث التغيير الذي تلاه عن السياق الأشمل المحيط بهما. لقد كانت انتفاضة الأقصى التعبير الأبرز عن فشل هذه الآلية، وجاء الاجتياح كي يؤكد هذه النتيجة. ولذا، فانه ليس من الحكمة ان تمضى دعوة الاصلاح والتغيير دون ان تربط في حساباتها بين هذه الوقائع. كأن الحالة الفلسطينية والأمر كذلك قد انخرطت خلال أكثر من نصف قرن في جدل ممتد حول هذه الدعوة. فما يكاد الفلسطينيون يفرغون من محاولة استلهام عبرة حدث يجبرهم على تعديل مساراتهم السياسية، وأحيانا غير السياسية، حتى يطرأ عليهم ما يستدعى تجديد هذه المحاولة. واذا كان من الصحيح ان الانخراط في عملية كهذه للمراجعة واعادة المراجعة، يفرض نبش التربة الفلسطينية، وتعريضها للشمس والهواء وازالة ما يعتليها من تكلس أولا بأول، الا ان هذه المسألة تبدو مرهقة، وربما كان الارهاق أحد أهم العوامل المفضية تقليديا الى افساد هذه الدعوة واياب أصحابها الى السكوت والاعتكاف. على انه عادة ما يطرح لهذا السكون سبب وجيه أخر، يتعلق بجدية القيادة الفلسطينية في التعامل مع برامج الاصلاح والتغيير بعد انجازها. بل ويذهب البعض الى ان هذه القيادة تحترف اذكاء حديث الاصلاح في مناسبات بعينها، بهدف شغل الجميع، رأيا عاما وقوى سياسية ومدنية، عن خطوات كبيرة تنوي القيام بها، أو قامت بها بالفعل، على صعيد مسار القضية الوطنية، ونتيجة لتكرارية هذه الظاهرة، نجد ان أصحاب هذا التفسير يستريبون في هذا الحديث، لاسيما ان استهله أو قام بحركته الافتتاحية نفر من المقربين للقيادة. لقد ظهرت هذه الشكوك مؤخرا فقيل ان بعض رجال السلطة انبروا يروجون لمبدأ الاصلاح، لذر الرماد في عيون العاطفين الحقيقيين على هذا المبدأ و التغطية على خطايا بعض أجنحة السلطة أثناء الاجتياح، ورغم ما ينطوي عليه هذا المنظور من حذر اعتمادا على السوابق، الا انه لا يخلو في الوقت الراهن من مبالغة، فالحاجة الى المراجعة ونقد المسار تلح ـ كما أشرنا ـ في أوقات الشدائد والأزمات. ولا ريب ان حدثا كالاجتياح وتداعياته يفرض هذه الحاجة فرضا في الرحاب الفلسطينية. ولذلك، نحسب انه لا مجال للتشكيك في صدقية دعاة المراجعة هذه المرة. لكن ما يستدعي التربص والمتابعة عن كثب هو الطريق الذي يفترض ان تسلكه عملية المراجعة المطلوبة، بحكم دخول أطراف لايمكن الثقة في مقاصدها على الخط. فنحن نتفهم نوازع الفلسطينيين نحو تدعيم ركائز بيتهم، وذلك على جميع الصعد والمستويات. ومن المفهوم لدينا أيضا ان تنادي قوى عربية بالمراجعة من منطلق الغيره على الهدف ذاته، محفوزة في ذلك بالأبعاد القومية الجامعة مع أصحاب هذا البيت، غير ان عاقلا لايمكنه تصور وجود أهداف نبيلة، عندما يصدر نداء التغيير الفلسطيني عن تل أبيب أو واشنطن. للاصلاح واعادة التأطير والمأسسة في المفهومين الاسرائيلي والأمريكي أهداف ومضامين مناقضة بالمطلق للمصلحة الفلسطينية، مؤداها جميعا جرف ظاهرة المقاومة من المنابع، واعادة اصلاحها بنائيا ووظيفيا بالقوى العميلة المأجورة كليا، وان وجد هذان الطرفان من يستجيب لهذا المفهوم المريض، فسوف تدخل الحقيقة الفلسطينية في صدام داخلي مروع، يكفيهما مغبة التدخل المباشر لعمل المطلوب لفترة طويلة. الفارق اذا كبير جدا بين دعوة للاصلاح تستهدف استخلاص الدروس، استعدادا لجولة، ولعلها جولات، قادمة في صراع النفس الطويل، ودعوة مغرضة تبغي ركوب موجة النقد الذاتي الفلسطيني وتوظيفها لجعل معالم الصمود الفلسطيني خلال الاجتياح أخر الجولات، وفي كل الأحوال، ليست اسرائيل ولا الولايات المتحدة بالقوتين الغيورتين على الديمقراطية أو الشفافية في اتخاذ القرار أو صناعة السياسات فلسطينيا، انهما مشغولتان بخراب البيت الفلسطيني بأيدي أهله.. ولذا لزم التنويه. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة