لمن هم خارج البحرين اعتبر كثير من المراقبين أن الانتخابات البلدية التي جرت في 9 مايو، شكلت في حد ذاتها خطوة كبيرة على طريق إرساء الديمقراطية والمشاركة الشعبية. لكن الواقع أن هذه الانتخابات رغم أهميتها المعنوية الكبيرة، لم تكن أكثر من حدث محلي على صعيد إعطاء الناس فرصة متواضعة للمشاركة في تقرير بعض من شئون حياتهم اليومية. وحتى من هذه الزاوية فان الانتخابات البلدية شابها الكثير من عوامل الإحباط الناجم عن زلزال التعديلات الدستورية التي أقرت في منتصف فبراير الماضي. ولا أدل على الإحباط من أن نسبة المشاركة في الانتخابات لم تتجاوز 51 في المائة ممن يحق لهم التصويت من المواطنين وعددهم 200 ألف مواطن ينتخبون خمسين عضوا موزعين على خمس محافظات بالتساوي. كما اعتمدت الحكومة نمطا مذهبياً من توزيع الدوائر، حيث ان بعض الدوائر التي لا يتجاوز عدد الناخبين فيها ثلاثة آلاف ناخب لها مقعد بلدي واحد، ودائرة أخرى بها اكثر من 10 آلاف ناخب لها أيضا مقعد بلدي واحد. إضافة لذلك فالمجالس البلدية لا صلاحيات لها، ويتلخص عملها في رفع التوصيات والمقترحات إلى الحكومة التي قد تأخذ بها وقد تطرحها جانبا، والحكومة نفسها هي من يعين رؤساء هذه المجالس من خارج دائرة المنتخبين. من هنا فإن التعويل على الانتخابات البلدية واعتبارها بمثابة خطوة على طريق الديمقراطية فيه الكثير من المبالغة. لكن بالطبع فان هذه الانتخابات ليست خلوا من الإيجابيات.فلأول مرة منذ أربعة عقود تقريبا (آخر انتخابات بلدية أجريت في البلاد في الستينيات) يذهب البحرينيون إلى صناديق الاقتراع ليختاروا ممثلين عنهم.ولأول مرة يشعرون بالحرية والقدرة على التمتع بالحق الانتخابي، وأن يظهروا صوتهم ورأيهم، بديلا عن سياسات التعيين والفرض. وبالتالي كان لهذه الانتخابات دور نفسي وتربوي وتوعوي كبير بالنسبة للمواطنين. نتائج متوقعة نتائج الانتخابات جاءت كما هو متوقع فقد حصدت التيارات الإسلامية حصة الأسد في هذه الانتخابات.فقد تمكنت جمعية الوفاق الوطني الإسلامية (جمعية شيعية) من انتزاع أكبر نسبة من الدوائر لمرشحيها (أو القريبين منها) لا سيما في العاصمة المنامة والمنطقة الشمالية والمنطقة الوسطى من البلاد، في حين يتجه التيار الإسلامي السني للفوز بنصف عدد الدوائر تقريبا في محافظة المحرق كما ضمن الفوز في بعض دوائر المحافظة الوسطى والمحافظة الجنوبية، أما الحكومة فقد نأت بنفسها فيما يبدو عن دعم أي من المرشحين، وإن حصل عدد من المحسوبين عليها (بجهودهم الخاصة فيما يبدو ) على بعض المقاعد خاصة في المحافظة الجنوبية والتي هي محافظة سنية خالصة، وكذلك في بعض المحافظات كالمحرق.كما استطاع بعض المستقلين الفوز في دوائر متفرقة. الخاسر الأكبر كان الحركات الديمقراطية (أو بالأدق الحركات اليسارية) فهي لم تتمكن من إيصال أي من مرشحيها للمجالس البلدية، ومن انتقل منهم وعددهم (لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة) إلى دورة الإعادة الثانية التي سوف تجري غدا الخميس، لا يملك حظوظا كبيرة في الفوز. من أبرز الخاسرين أيضا المرأة البحرينية التي تقدم منها حوالي 31 امرأة من بين أكثر من 300 مرشح، ولم تفز أي واحدة منهن.بل أن نسبة الأصوات التي حصلت عليها أفضل المرشحات، لم تتجاوز في الكثير من الأحيان خمسة في المائة. المعارضة الديمقراطية بررت عدم حصولها على أي مقعد، بإلقاء اللوم على التيارات الإسلامية وعلماء الدين، الذين حسبما قالت رموا بجميع ثقلهم خلف مرشحي هذه التيارات، التي حرصت بدورها على إنجاح مرشحيها دون إعطاء أي مجال أو فرصة للتحالفات مع القوى الأخرى، وفي بعض الأحيان وجهت ماكينتها الانتخابية ضد هذه القوى. ومن وجهة نظري فإنه لم يكن ثمة شيء غريب في هذه النتائج. ويمكن الاتفاق مع ما يقال عن الدور الذي لعبه علماء الدين من الطائفتين، من حيث أنهم وجهوا في خطب الجمعة وطوال الفترة التي سبقت الانتخابات، دعوات صريحة وواضحة إلى مريديهم (وهم عامة الناس) يحثونهم فيها على انتخاب المرشحين الملتزمين دينيا، واتبعوا ذلك بما يشبه التحذير القاطع من أن انتخاب أي شخص غير ملتزم دينيا سوف يكون له حسابه العسير يوم القيامة أمام الله، انطلاقا كما قالوا من أن الصوت أمانة وأن الناخب يتحمل كاملا وزر أفعال المرشح الذي ينتخبه. أسباب إخفاق اليسار أقول رغم صحة دخول علماء الدين بقوة على خط الانتخابات البلدية، إلا أن هذا ليس هو السبب الوحيد أو الجوهري لانتكاسة التيار الديمقراطي أو هزيمة المرأة في هذه الانتخابات.فهناك عوامل لا تقل أهمية من أبرزها : 1- إن المد الغالب في البحرين (شأنها شأن باقي البلدان العربية) هو مد ديني، في حين أن تيارات اليسار أو الديمقراطيين عموما، هي تيارات نخبوية، تستطيع أن تتحدث في وسائل الإعلام وتبرز في الندوات، لكن لا توجد لها أي قاعدة جماهيرية. 2- كان للتوزيع المذهبي للدوائر الانتخابية دور كبير في النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات، فهو دفع التيارات الإسلامية للتركيز على الحفاظ على مناطق نفوذها في الدوائر المحددة لها، وبالتالي حد هذا الوضع عمليا من إمكانية إقامة أي نوع من التحالفات، وذلك حسب المنطق التالي «ما لدي فهو لي، وما لديك قابل للتفاوض». 3- ساهم هذا النمط من التوزيع للدوائر أيضا في تشتيت الأصوات القليلة لدى التيار الديمقراطي، في حين وفر للتيارات الإسلامية ساحة سهلة للفوز وحشد التأييد خلف مرشحيهم.وعلى سبيل المثال فان مرشحي التيار الشيعي (جمعية الوفاق) فاز معظمهم في الدورة الأولى بأغلبية كبيرة ومريحة، في حين يعود كثرة مرشحي التيار السني الذين اضطروا للذهاب لدورة الإعادة في جانب أساسي منه، إلى التنافس بين الجمعيات الممثلة لهذا التيار (جمعية الإصلاح، الجمعية الإسلامية، جمعية التربية الإسلامية) وليس إلى قوة منافسيهم. 4- تعتبر هذه الانتخابات في الكثير من الدوائر، لا سيما في المناطق الشيعية، بمثابة نوع من رد الاعتبار والتضامن مع من ساهموا في الأحداث التي شهدتها البلاد في الفترة من 1994 وحتى 1998، أو تضرروا منها، والتي يرى الكثيرون أن ما يحدث اليوم من انفتاح وإصلاح سياسي يعود إلى تلك الأحداث بالذات، وبالتالي فالكثير من مواطني هذه المناطق كان أحد مقاييسهم لأفضلية المرشح (إضافة للالتزام الديني) هو مدى مساهمته في الأحداث.ومن المتوقع أن يسري ذلك على الانتخابات البرلمانية التي سوف تجري في شهر أكتوبر القادم، في حال قررت جميع الجمعيات السياسية المشاركة فيها. 5- من الطبيعي في ظل مثل هذه المعطيات ألا يكون للمرأة حظ في الفوز، سيما أن كثيرا من المرشحات خضن التجربة، وفق قرار فردي وليس على أساس انتماء سياسي أو طائفي.وقد يصح أن بعض التيارات الإسلامية لم تنضج لديها القناعة بعد لقبول دخول المرأة في المعترك الانتخابي كمرشحة، رغم تشجيعها لدخولها كناخبة، إلا أن هناك تساؤلات حول دور الجمعيات النسائية وغرفة التجارة والصناعة وجمعيات المجتمع المدني، التي يفترض أنها تدعم حقوق المرأة وبالتالي تحرص على ضمان تمثيل نسوي في المجالس البلدية كما في البرلمان.لكن يبدو أن هذه الجمعيات، إما أنها جمعيات نخبوية أو تأثرت هي الأخرى بنمط توزيع الدوائر الانتخابية. 6- أخيرا فإن على التيار الديمقراطي ألا يلوم أحدا في النتائج التي وصل إليها سوى نفسه، إن كان مصرا على اللوم، وعليه بدلا من ذلك أن يعيد ترتيب أوضاعه، أخذا بعين الاعتبار أن الوضع في البلاد قد تغير جذريا خلال الثلاثة عقود الماضية، وإن قاعدته التي يعود معظمها إلى السبعينات والثمانينات قد تآكلت .. وعليه بالتالي البحث عن خطاب جديد وبرامج جديدة يقدمها للناس عبر وجوه جديدة. ـ كاتب من البحرين