رقم من الارقام أوردته الصحف وتناقلته وكالات الانباء يوم الجمعة الماضي العاشر من مايو وأملي ألا يمر مرور الكرام دون ان نقف عنده نحن العرب والمسلمين، ومواطني العالم الثالث عالم الجنوب. هذا الرقم هو الميزانية العسكرية التي وافق عليها الكونجرس الامريكي: 383 مليار دولار لسنة 2002/2003. وبالطبع فشعب امريكا ذو سيادة وله الحق في ان يفوض نوابه الشيوخ للتصويت على مبلغ فلكي لفائدة الدفاع الامريكي. إلا ان تجربة التاريخ الحديث القاسية أكدت بما لا يدع مجالاً للشك بأن امريكا إذا أصيبت بزكام فإن العالم من أقصاه الى أدناه هو الذي يعطس. ولذلك فلا ريب من ان 383 مليار دولار سوف تنعكس أبواب صرفها على العام بشرقه وغربه لسبب بسيط وبديهي هو ان ميزانية الدفاع في أمريكا هي في واقع الأمر ميزانية هجوم.. حتى لو كانت لضمان الدفاع عن أمريكا. فقد نشرت مجلة «تايم» في عددها قبل الأخير خريطة انتشار القوات الامريكية في أرجاء العالم ورأينا علمها مرفوعاً فوق ـ تقريباً ـ جميع القارات والدول الكبرى والمناطق المتأزمة والاحراش المرشحة للتأزم وفوق السهول والجبال والمحيطات وحول المضايق والأنهار والأدغال.. أي كلما استدعى الموقف حضوراً أمريكياً فهي حاضرة.. وقد تحقق لها ما اشتهرت به امبراطورية بريطانيا من ان الشمس لا تغرب عن رايتها. وبالطبع فإن هذه الميزانية العملاقة التي ضاعفت بأربع مرات الميزانية الدفاعية الامريكية العادية هي وليدة أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث تشكلت عقيدة رسمية لدى الادارة الامريكية ينفذها صقور البيت الابيض من فريق اللوبي النفطي ديك تشيني ودونالد رامسفيلد، بعد ان أقنعا الرئيس بوش بأن الحرب على الارهاب العالمي هي حرب عالمية تنفذها أمريكا بلا حدود وبلا تردد وبلا أهداف واضحة. وبعد ان اقتنع الرئيس بوش على ما يبدو بأن حرب شارون على الشعب الفلسطيني هي مواصلة أمينة لتلك الحرب الامريكية. وقد بدأنا نسمع ونقرأ مختلف أدبيات التنظير من شفاه كوندوليزا رايس وعلى صفحات الـ «واشنطن بوست» وعلى شاشة الـ «ان.بي.سي» من ان امبراطورية الحرية والخير والديمقراطية والسلام من حقها ان تضرب امبراطورية الاستعباد والشر والدكتاتورية والارهاب! فعادت تطفو على السطح كل آليات المنطق المؤسسي للدولة الامريكية منذ جورج واشنطن وابراهام لنكولن وودرو ويلسن الى فرانكلين روزفلت ودوايت ايزنهاور وصولاً الى ريجان وبوش الأب والابن أي كل الذين نفذوا نظرية مونرو في «الحرب المفتوحة دائماً من أجل سلامة وقوة الشعب الأمريكي» وهي النظرية التي يغذيها اعتقاد عنصري مؤسس على خرافات بروتستانتية تنادي بانفراد حضارة مسيحية يهودية بالقوة والحق وتبرير عمليات الابادة منذ سكان أمريكا الأصليين الملقبين بالهنود الحمر ثم بسكان المكسيك ثم بالافارقة السود الذين جلبتهم بواخر (الواسب ـ White Anglo Saxon Protestant) على مدى قرن ثم بشعب اليابان والألمان في الحرب الأخيرة ثم بشعب فيتنام وأخيرا بأفغانستان والمرشحون هم العراقيون والايرانيون والسوريون بعد ان تنتهي عملية ابادة الفلسطينيين بأيدي شارون وبسلاح وتمويل أمريكي (آخره 200 مليون دولار اضافية صادق عليها الكونجرس لحساب الجيش الاسرائيلي يوم الخميس الماضي). وتشير تحليلات خبراء مقربين من البنتاجون الى ان الحرب ستمتد الى الفلبين واليمن ومناطق في الجزيرة العربية! والصومال وليبيا والبلقان والقوقاز! ثم إذا صممنا آذاننا عن سماع هذه الأصوات المنذرة بالويل والثبور وعظائم الأمور فكيف نفهم حقيقة تخصيص مبلغ 383 مليار دولار للدفاع الأمريكي الذي سيتولى مجلس الأمن القومي توزيعها على البنتاجون والمخابرات والصناعة الحربية التكنولوجية وبرامج التنصت والتجسس والاختراق.. والاتصال والاقناع والحرب النفسية؟ إنني أزعم ـ والله أعلم ـ بأن التحالف الخطير القائم اليوم هو تحالف شاروني ـ بوشي أي بين رجلين رشحتهما الأحداث وعشوائية الخصوم الى منصبيهما، وليس تحالفاً بين الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل، كما يقول الخطاب العربي السائد، فالمخطط الشاروني ـ البوشي أصبح صعب التحقيق بعد ان فشل شارون في كسر المقاومة وابطال العمليات الفدائية في فلسطين وبعد ان فشل بوش في تحديد أهداف حربه المدمرة على شعب أفغانستان، ثم فشل في حشد العرب أو الاوروبيين في مغامرة غير مأمونة العاقبة على العراق، فهذه الحرب الثنائية الافغانية الفلسطينية هي حرب رجلين وليس حرب دولتين. أعلنت منذ الحادي عشر من سبتمبر حين كرست نظرية هنتنجتون حول صدام الحضارات لمحاولة زعزعة الأمة الاسلامية فيما بقي لها، أي حفاظها على السلام ودخولها للعولمة بثوابتها وقيمها. وحين نتأمل خارطة التوازنات والمواقف الدولية نتأكد بأن أمريكا بوش واسرائيل شارون ستظلان بين قوسين في منطق التاريخ. فلا الاتحاد الاوروبي ولا روسيا ولا الصين ولا أمريكا الجنوبية ولا الهند أعطت لمخطط الحرب المعلنة ضوءا أخضر، بل بالعكس فإن أصواتاً حكيمة تطلع من أمريكا نفسها وأكثر منها من أوروبا تدعو للتعقل واعادة الحسابات. وأعتقد جازماً ان كلام الحكمة جاء على لسان ولي العهد السعودي الأمير عبدالله حين حل ضيفاً على الرئيس بوش، فهذا الرجل العربي المسلم ينطق بلسان الصدق والنصيحة، فعساهم يسمعون ويعون. ـ أستاذ في قسم الإعلام ـ جامعة قطر ahmed2701@hotmail.com