أخيرا كشفت اسرائيل عن وجهها القبيح، وثبت للعالم كله أن كل ادعاءاتها كانت مجرد حجج، فاعتراضها على زعامة عرفات لم يكن الهدف منه إلا التأجيل ، والتسويف، وفي اجتماع شارون بالرئيس بوش أفلتت منه كلمة لم تلفت انتباه أحد. عندما قال الرئيس بوش أنه يجب العمل فورا على إنشاء دولتين، دولة اسرائيلية والى جوارها دولة فلسطينية، علق شارون قائلا.. هذا الأمر سابق لأوانه.. وعندما جاء نتانياهو الى لندن وقف يخطب في ساحة ترافلجر فهاجم عرفات بشدة ووصفه بـ «الارهابي»، وقال لن نسمح له بأن يكون له دولة لا نحن ولا أي أحد آخر. ثم جاء مؤتمر حزب الليكود ليضع الأمر على بلاطة ويعلن بوضوح أن حكومة الليكود لن تسمح بقيام دولة فلسطينية الى جوارها. والعبد لله لا يعرف من هو الشخص الذي يقف وراء قرار الليكود. هل هو المعتوه نتانياهو؟ وهل السبب هي رغبته المحمومة في قطع الطريق على شارون الذي يحلم بخلافته، وأيا كان الشخص الذي يقف وراء قرار حزب الليكود، فإن مسألة قيام دولة فلسطينية أكبر من رغبة حزب الليكود، ويستطيع حزب الليكود أن يقول ما يشاء وأن يتخذ ما يشاء من قرارات، ولكن أي قرار يتخذه الليكود لا يؤخر ولا يقدم. لأن إنشاء دولة فلسطينية هو قرار دولي، وهو التزام أمريكي أيضا، أعلنه الرئيس الأمريكي في الأمم المتحدة، ثم كرر اعلانه في أكثر من مناسبة. وفي الأمثال يقولون دبور زن على خراب عشه. والعبد لله يعتقد أن قرار مؤتمر الليكود سيكون السبب في عودة الليكود الى الصفوف الخلفية، ليصبح الطريق أمام الأحزاب الاسرائيلية التي تتعاطى السياسة وتدرك أنه لا حل إلا بقيام الدولة. ومع ذلك فالعبد لله ينتظر رد فعل الادارة الأمريكية، وهل ستترك المجال أمام الليكود لكي يخطط وينفذ أحلامه وأوهامه في الشرق الأوسط. أم ستواصل القيام بواجبها كقوة أعظم، وتنفذ على الأرض ما سبق أن وعدت به وتعهدت بتنفيذه؟ وقد أعجبني الرئيس ياسر عرفات عندما صرح قائلا: هل نسى حزب الليكود أنه وقع على اتفاقيات أوسلو؟ وهل نسى نتانياهو أنه تفاوض معي على أساس أوسلو؟ ويخيل للعبد لله أن الرئيس عرفات يتصور أنه يخاطب دولة تحترم الاتفاقيات، والحقيقة أن الليكود هو مجرد عصابة لا تحترم معاهدات أو اتفاقيات، ولا يهمه إذا ترك توقيعه على ورقة. المهم عنده هو التخلص من المأزق وعبور المواقف الصعبة، ثم البحث عن مخرج بعد ذلك. وقد جاء مؤتمر شرم الشيخ في وقته تماما، مصر وسوريا وبينهما السعودية. واعلانهم تمسكهم بالمبادرة العربية التي وافق عليها مؤتمر قمة بيروت. وأستطيع أن أقول الآن أن الرأي العام الدولي تغيركثيرا، لم تعد اسرائيل هي الدولة الصغيرة التي سيلقي بها العرب في البحر. ولكن اسرائيل في نظر العالم كله أصبحت الآن هي ستنا الغولة التي تأكل ما حولها ومن حولها. واذا لم تأكلهم فإنها تدفنهم في الرمل وكل ممارسات اسرائيل في الفترة الأخيرة كانت شهادات موثقة على خبثها وكذبها ومحاولاتها السيئة لالتهام فلسطين كلها وطرد الفلسطينيين من أرضهم وبلدهم. بالقوة وبالعافية وبالعصا والنبوت. لقد تغيرت صورة اسرائيل الزاهية القديمة «واحة الديمقراطية» في صحراء الشرق الأوسط. لقد تعرف العالم على اسرائيل حاليا فلا ديمقراطية فيها ولا يحزنون، واليهود الفلاشا يعاملون أسوأ معاملة، والسيادة والقيادة ليهود أوروبا الشرقية، وحتى عندما خرج رابين عن الخط وانحرف عن طريق الصهيونية الدولية، وبدا واضحا لهم أنه مؤمن بالسلام ومؤمن بحق الفلسطينيين في الحياة على جزء من أرضهم وبلدهم. في تلك اللحظة بالذات قتلوه، ويعيش قاتله مكرما معززا في سجنه. وحتى عندما قتلت العمليات الاستشهادية بضع عشرات من الاسرائيليين، اجتاحت اسرائيل «واحة الديمقراطية» مدن الضفة الغربية، وقتلت أطفال جنين تحت أنقاض المنازل والبيوت وسارعت بدفن الجثث في مقابر جماعية وبالجرافات حتى لا يرى العالم الخارجي شيئا من الجريمة الاسرائيلية ولكن من حظنا أن بعض الصحفيين الأجانب كانوا هناك، وقاموا بنقل جزء من الصورة، ولكن هذا الجزء كان كفيلا بايقاظ الرأي العام العالمي وفتح عيونه على المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني بأطفاله ونسائه وشيوخه. وأراهنكم بأن نهاية الليكود في السلطة قد حانت، لا شارون ولا نتانياهو سيظهر لهما أثر بعد ذلك. خصوصا بعد مظاهرة أنصار السلام في تل أبيب. إن حزب الليكود لا يمارس إرهابه على العرب فقط، ولكن يمارس ارهابه على الاسرائيليين أيضا. فالحال واقف في اسرائيل والسياحة توقفت، والعلاقة مع الأردن متوترة، ومع مصر أكثر توترا، والناس على الناحيتين أصابهم الوهن، ويتوقون الى العيش في سلام وفي رغد، وفي ظل الليكود لا سلام ولا أمان للفلسطينيين والاسرائيليين، وأتمنى أن أرى في السلطة الاسرائيلية قريبا نماذج من أمثال بن عامي ويوسف بيلين وابراهيم بورج، وأعتقد أن هذا هو الذي سيكون في الغد القريب.