اليوم تستعيد ذاكرة الأمة نكبتنا الأولى عام 1948، وتسترجع مشاهد اغتصاب فلسطين، وما تخلله من مذابح ومجازر للأطفال والنساء والعجائز في دير ياسين وحيفا وعكا، في فصل من أبشع فصول الحروب العنصرية التي خاضتها العصابات الصهيونية، بدعم مادي من الغرب بامبراطورياته البريطانية والفرنسية الغاربة وتأييد سياسي من امبراطوريته الامريكية الوليدة والامبراطورية السوفييتية المنهارة. أربعة وخمسون عاماً انقضت من عمر نكبة ضياع فلسطين، وقيام الكيان الصهويني على أرضها المغتصبة، بعد طرد وتهجير كل شعبها باستثناء مئة وخمسين ألفا ظلوا قابضين على جمر الهوية متشبثين بتراب الوطن، رغم أهوال ممارسات الاحتلال العنصرية، والمهانة اليومية التي تنوء بحملها الجبال، وصاروا بعد خمسة عقود أكثر من مليون عربي منخرطين في معركة يومية لفضح الطبيعة الكولونيالية والعنصرية للكيان الصهيوني، وترسيخ الهوية القومية العربية للفلسطينيين. تعود ذكرى النكبة الاولى محملة بدروس الماضي متعانقة مع خبرة الحاضر، في تأكيد متجدد على طبيعة الكيان الصهيوني الغاصب، وعنصريته الصهيونية، واطماعه التوسعية وتغلغل شهوة العدوان والارهاب في نسيجه. يأتي في مقدمة دروس النكبة الاولى، اختلال ميزان العدل الدولي، نتيجة للطبيعة المنقوصة لآلية عمل الامم المتحدة ومجلسها الدولي، الذي لم تفارقه علة العجز المزمن امام الانحياز الامريكي المطلق لاسرائيل وتعطيل «الفيتو الامريكي» لكل القرارات المنصفة للحقوق الفلسطينية المشروعة وابقاؤها ان صدرت مجرد حبر على ورق. ففي النكبة الاولى اقيم الكيان الصهيوني على ارض عربية مغتصبة وبقرار دولي في مفارقة صارخة تكافئ المعتدي بمنحه ارض المعتدى عليه، فيما لم ينفذ حتى قرار التقسيم الظالم وترك الفلسطينيون المهجرون مشردين في الملاجئ، مع تعليق القرار (194) الضامن لحق العودة، مجرد ورقة يتلاعب بها وسطاء السلام الفتاك. وفي نكبة إضفاء الشرعية العربية على الاحتلال والكيان الصهيوني المغتصب، وبعد احدث مجازر الارهاب الاسرائيلي في رام الله ونابلس وجنين، ترد حكومة الليكود المتطرف على اطروحات السلام العربية، برفض قيام دولة فلسطينية على الاراضي المحتلة بعد عدوان يونيو 1967. الحاصل، ان خمسة عقود من عمر النكبة كافية لترسيخ قناعة، يتجاهلها البعض، وهي ان اسرائيل لن تتخلى عن طابعها العنصري ولن تسقط اطماعها التوسعية، وستبقى دائماً تهويداً قائماً ضد أي محاولة عربية لاطلاق مشروع للنهضة أو التكامل أو الوحدة. وحتى لا نغرق في دوامة الاحباط واليأس أو نصبح ضحايا لأوهام السلام الأمريكي يجب ان نذكر انفسنا بأن الطبيعة الكولونيالية لاسرائيل كجيش تشكلت نواته من قطعان العصابات الصهيونية، لا تعرف سوى معنى واحد للسلام، هو ببساطة ان تتمتع بالسلام وهي تمارس التوسع والاغتصاب، وان تحقق وجودها كقوة اقليمية عظمى وسط دويلات عربية متصارعة ضعيفة ومفككة. وفي الذكرى الرابعة والخمسين للنكبة، يتعاظم الامل في غد عربي افضل، ينطلق من بطولات المخيمات في جنين، ويرتسم أفقه من مشاهد الاطفال والصبية المتشبثين بعروبة فلسطين وتحرير القدس، بالرغم من اجواء الخنوع والاذعان واوهام السلام.