الرئيس الامريكي جورج بوش هو الوحيد تقريبا في العالم بأكمله الذي يرى في الجزار الاكثر دموية ارييل شارون رجل سلام، ربما يتمتع بوش بدرجة ذكاء خارقة ـ لم يشر اليها احد من قبل حتى مقربيه ـ بحيث يرى صفة السلام في هذا السفاح. لكن المفارقة ان الايام المقبلة قد لا تجعل بوش بمفرده الذي ينظر الى الجانب السلامي في شارون وربما سنجد بعض العرب المدمنين للمفاوضات يتغنون بمزايا شارون الذي لم يتفضل لكي يعرضها علينا. بوش قال كلماته الشعرية في شارون قبل اسابيع لكنني تذكرتها امس خلال متابعة مركز الليكود او اللجنة المركزية لحزب الليكود اليميني المتطرف ليلة امس الاول وهو يصوت بغالبية 59% ضد اقامة اي دولة فلسطينية مستقبلا ما بين نهر الاردن والبحر المتوسط.. خلال مهزلة مركز الليكود ظهر السفاح السابق سييء الذكر بنيامين نتانياهو باعتباره الصقر الداعي لعدم اقامة الدولة الفلسطينية وطرد ياسر عرفات واستخدام اكبر قدر من القوة لقمع الفلسطينيين، وفي المقابل بذل شارون جل جهده لعدم التصويت «الآن» على مشروع قرار الدولة وتأجيله لفترة مقبلة تكون اكثر مواءمة سياسيا ونظرته هي ان التصويت بـ «لا» يعني توجيه ضربة قاضية لكذبته الكبرى بأنه يريد السلام كما ان ذلك سيحرج حليفته وراعيته الكبرى امريكا التي تروج بين انصار السلام العرب ان هناك مخرجا سياسيا يلوح في الأفق وبالتالي فعلى العرب اظهار نواياهم السلمية وادانة المقاومة ووصفها بالعنف تارة والارهاب تارة اخرى. العرب كعادتهم في الكرم سارعوا واستجابوا «للنصيحة» الامريكية بل واجتمع كبارهم في «شرم الشيخ» المكان الذي ارتبط في الاذهان بتعويم كل الحكومات الاسرائيلية من حكومة بيريز المؤقتة عام 1996 وحتى حكومة شارون الراهنة. المحزن في الامر ان بعض الحكام وبعد ان استجابوا لنصيحة واشنطن فوجئوا بأن اسرائيل توجه لهم الصفعة تلو الاخرى، وجاءت صفعة قرار الليكود لتزيدهم احراجا امام انفسهم وامام شعوبهم، اما الكارثة الكبرى فهي اننا كعرب يبدو انه محكوم علينا دائما الا نستفيد من خيباتنا ونكررها دائما بالنص ولا نفكر حتى بالاستفادة من طريقة تفكير عدونا. فشارون الآن امريكيا واوروبيا يبدو رجلا يسعى للسلام في مقابل نتانياهو الذي يستعد للقفز على الحكم في اول انتخابات وبالتالي فان اللعبة الاسرائيلية التي تتكرر دائما منذ سنوات طويلة هي خلق «فزاعة» للعرب، بمعنى احذروا فان نتانياهو سوف يطيح بكل شيء في حين أن شارون ورغم دمويته يمكن التفاهم معه في تطبيق حرفي لحكاية «الحاخام والخنزير» مرة اخرى. هذه اللعبة تكررت عام 1992 بين شامير ورابين، وعام 1996 بين بيريز ونتانياهو وقبل ثلاث سنوات بين شارون وباراك وهي تتكرر الآن بين نتانياهو وشارون، وفي كل مرة محكوم علينا نحن العرب ان نجلس متفرجين لنترك بضعة مئات من اعضاء الليكود او العمل ليقرروا مستقبلنا العربي، وكأن هؤلاء القادمين من روسيا وبولندا واوروبا وامريكا واثيوبيا هم الذين يحددون متى تقام الدولة الفلسطينية!! نكتفي نحن العرب بالفرجة والانتظار والتمني ومقابل لعبة توزيع الادوار الاسرائيلية في اطار ديمقراطيتهم المزعومة نتبارى نحن العرب في حرق كل اوراق قوتنا ونسارع الى ادانة منظمات المقاومة، ولم نشترط على واشنطن مثلا انه مقابل تجميد عمليات المقاومة ينبغي على حكومة اسرائيل تجميد منظماتها المتطرفة او القبض على زعماء المستوطنين او ان نشترط انه مقابل ما يسمونه وقف التحريض ان يتوقف زعماء التطرف الاسرائيليون ـ وهم غالبية الشعب ـ عن التحريض ضدنا في كل مكان بالعالم! ادمنا نحن العرب التشدد لبضع ثوان وحشد المظاهرات والاكتفاء «بالجهاد الفضائي» وبعدها ينتهي كل شيء، في حين ان عدونا يعمل بهدوء وبصبر وبنفس طويل ليحصد دائما الانتصارات. ادمنا ايضا المراهنة على الآخرين كي يحلوا مشاكلنا بدءا من القضية الفلسطينية وانتهاء بالتحقيق في حادثة تحطم الطائرة المصرية في تونس! وكما يقول دائما عمرو موسى فان السيناريوهات القادمة اسوأ بكثير والمستقبل يبدو حالكا، لكن نقطة الضوء الوحيدة التي ينبغي ان نراهن عليها دائما هي هؤلاء الشباب المناضل في فلسطين المحتلة الذين وجهوا اكبر ضربة لاسرائيل منذ نشأتها لكن المأساة ان الاداء السياسي الفلسطيني بصفة عامة لم يكن على المستوى الملائم لهذه التضحيات. لكن طالما هناك احتلال فالمقاومة مستمرة حتى وان هدأت فالتاريخ يعلمنا ان اصحاب الحق سينتصرون وان طال الزمن.