خرجنا من مكتبة الكونجرس في الثانية عشرة والنصف ظهرا، الشمس ساطعة، اليوم مشمس، يميل إلى الحرارة، معظم الناس تخففوا من ملابسهم وارتدوا الرياضي منها، لمحت في الحدائق من يتمدد فوق العشب الأخضر بثياب البحر، بالنسبة لي كان الجو ربيعيا، يشبه الأيام الأخيرة من فبراير عندما يبدأ الشتاء في الرحيل، كنت مع صديقي أحمد المديني نرتدي الملابس العادية التي نحتاج إليها في شتاء بلادنا، لم يكن لدينا خريطة محددة، ولم نكن نعرف المواقع والمباني المشهورة، لمحنا حشودا تقف أمام الكابيتول، مبنى الكونجرس الأمريكي، ولكنه بالنسبة لنا لم يكن يعني شيئا خاصا، أو قيمة فنية . لقد جئنا من بلاد تعد العمارة جزءا من تراثها، ولديها مبان تقاس أعمارها بآلاف السنين، ومبنى مجلس الشعب المصري الذي نعتبره جزءا من القاهرة الحديثة يعتبر أقدم من الكابيتول ومن مبنى مكتبة الكونجرس رغم الأعمدة اليونانية، والمداخل الشاهقة، والقباب الرومانية، هؤلاء الزائرون الذين ينتظمون في طوابير جاءت بهم الشهرة التي أحيطت بها تلك العمارة، وليس قيمتها، إضافة إلى الدور الذي تلعبه في حياتنا الحاضرة، من يعرف قصور المغرب وما حوت كيف له أن ينبهر أو يسعى حتى إلى زيارة البيت الأبيض؟ لكن العمارة تكتسب قيمتها أحيانا من أهمية الدور والبلد الذي يضمها وليس من طرازها، أو عتاقتها أو جمالها، مبنى الكابيتول مثلا، لا تمر لحظة إلا ويظهر لملايين البشر في الكوكب كخلفية لمتحدث عبر التلفزيون خلال إبداء رأي أو رسالة صحفية مرئية، أما البيت الأبيض والبنتاجون فقد أصبحا من رموز الكوكب، ويرغب بعض القوم في رؤية المشهور أو الذائع مهما كانت قيمته، لذلك تزدحم الطوابير أمام تلك العمارات الدالة على المعاني، الخالية من القيمة الفنية، ولكن أسماءها تتصل بمصائر البشر، وسياسات الدول، عندما مررت بالسيارة عبر الطريق المحاذي للبنتاجون، رأيت المبنى الضخم مثمن الأضلاع خلعا من أي قيمة، فيما عدا قيمته العسكرية بالطبع، أنه نموذج للعمارة العسكرية الحديثة الصماء، مجرد واجهات تتخللها نوافذ صغيرة، متشابهة مثل نوافذ السجون، اللون الأصفر يغلب عليه، المبنى ضخم جدا، يشبه الحصن، ما يضفي عليه أهمية الفعل الإنساني المرتبط به، فكم من بشر لقوا حتفهم نتيجة تخطيط تم هنا، أو أوامر صادرة عبر إحدى هذه الحجرات، وكم من مخاطر كامنة فيه، في مكان منه تستقر الأدوات المتحكمة في القوة النووية الضاربة التي يمكنها أن تدمر العالم عدة مرات، تماما الحقيبة التي يوجد بها الزر النووي والموجودة في البيت الأبيض، ولا أعرف إذا كانت هذه الحقيبة بالفعل. أم أنه اسم مجازي، هكذا يصبح لكل مبنى دلالة تتجاوز حجمه وعمارته وطرازه، فالبيت الأبيض يعني القرار السياسي الرئاسي، والبنتاجون يعني ما يتصل بالحرب والدفاع وحرب النجوم، لذلك لا تعنيني هذه المباني كثيرا كما تعني أولئك العابرين أو من يريد العودة إلى بلده ليقول إنه شاهد البيت الأبيض وتطلع إليه، لم ألمح البيت الأبيض إلا من خلال شارع يمر بالقرب منه، عندما أشار سائق التاكسي أثيوبي الأصل قائلا: الرئيس هنا التفت ورأيت أعمدة بيضاء، وطريقاً مسدوداً أمام السيارات، وطوابير من الناس تمضي في نفس الاتجاه، بعد الحادي عشر من سبتمبر ظهرت إجراءات أمنية لم تكن موجودة من قبل مثل السور الذي يجرى بناؤه حول مبنى الكابيتول ليعزله عن الحديقة العامة التي يتصل بها، أو تشديد الحراسة على الشوارع المؤدية إلى البيت الأبيض، أخبرني أصدقاء مصريون أنهم كثيرا ما شاهدوا الرئيس كلينتون يجري في الشارع أو الحدائق، على مقربة منه رجال الأمن، لم يكن يلحظهم أحد، وظاهرة جري الأمريكيين في الحدائق والطرق لفتت نظري عند زيارتي الأولى في ضواحي مدينة كليفلاند. انطلقنا من مكتبه الكونجرس عبرالشارع الذي تصطف على جانبيه الوزارات الرئيسية ومؤسسات الحكم الفيدرالي، وأيضا.. المتاحف، أثناء المشي اكتشفنا أننا نمضى بجوار سلسلة من المتاحف، متحف التاريخ الطبيعي للولايات المتحدة، متحف تاريخ أمريكا، متحف الفن الحديث، استقر رأينا على المتحف الأخير، يتكون من جزءين يصلهما نفق تحت الأرض. المتحف على أحدث طراز، العمارة تبرز الفراغ، والبشر يتحركون عبره كأنهم جزء من العرض، خاصة عند النظر من أعلى إلى الفناء الفسيح بأسفل، بالطبع لا يمكن مقارنة المحتويات بمتاحف أوروبا الكبرى مثل اللوفر. وأورسي، والإرميتاج، لكن المعروض هنا محتفى به على أعلى وأفضل مستوى، خصص طابق مستقل للوحة ضخمة لماتيس الفرنسي تمثل المرحلة التي أبدع فيها لوحاته الشهيرة مستخدماً تكنيك القص واللصق بالورق الملون على خلفيات بيضاء، رأينا أعمالا نادرة لبيكاسو، خاصة من المراحل الأولى، ولجورج براك، ومودلياني، وتماثيل لبرانكوزي وياكوتشي، فوجئت بوجود أصل لوحة شهيرة لبيكاسو تمثل عاشقين في سن الشباب، أقرب إلى المدرسة الطبيعية في الرسم، كان حجم اللوحة أكبر مما تصورت، لقد تعلمت من التجربة أن ثمة فرقا شاسعا بين رؤية أصل اللوحة وبين رؤية مستنسخ لها، أو صورة لها في كتاب، مهما بلغ إتقان الطباعة ودرجة فصل الألوان تظل هناك خصوصية شديدة لمعاينة اللوحة الأصلية مباشرة، وهذه تجربة تكررت بالنسبة لي مع كل الفنانين الذين أحببت عوالهم، بدءا من بيتر بروجل في القرن السادس عشر حتى رينيه ماجريت في القرن العشرين، وهناك لوحات فوجئت بها لفنانين غير مشهورين، بعضهم معاصر، كثيرا ما أتوقف أمام إنتاجهم المعروض في الصالونات التي تتركز في وسط باريس، خاصة في شارع نهر السين الذي تقع أكاديمية الفنون الجميلة في نهايته. خرجنا من متحف الفن الحديث بعد أن أمضينا فيه حوالي ساعتين، الوقت يقترب من الثالثة، والحرارة أشد، المطعم أغلق أبوابه في الفندق، إذن علينا أن نبحث عن مكان نتناول فيه وجبة الغداء، ركبنا سيارة أجرة سائقها أثيوبي، لاحظت وجود عدد كبير منهم في واشنطن، قدرهم أحد الأصدقاء بمائة الف، ولفت نظري في مطعم الفندق أحداهن، كانت سمراء، أمهرية، تجيد العربية ولكن أحمد المديني لفت نظري إلى اسمها المعلق إلى صدرها (بيت لحم) كتب بالإنجليزية، وعلمت أنها من اليهود الفلاشا، لقد انتقل عدد كبير منهم إلى الولايات المتحدة أيضا كما تم ترحيلهم إلى إسرائيل. لاحظت وجود مطاعم عديدة أثيوبية، وفي الشارع الذي وصلنا إليه والذي يقع بالقرب من البيت الأبيض مطاعم متتالية لاحظت وجود نسبة كبيرة من الماليزي منها، رحنا نتأمل الأنواع المختلفة ولكننا اخترنا مطعما ضخما للمشويات، يبدو أنه أمريكي الطابع، والملاحظ أن كثيراً من المقاهي والمطاعم تستخدم أنواع الخشب الغامق الذي يوحي بالقدم والعتاقة ليكسب تلك الأماكن الحديثة بعدا تاريخيا تفتقده، هذا بالضبط ما ينقص المدن الأمريكية، الزمن، العمق، مهما بدا الجهد المبذول لإضفاء العتاقة، فإن التاريخ لا يصطنع، الإحساس بالتاريخ لا يتضح ولا ينفذ إلى الإنسان إلا من خلال التراكم، وهذا ما يميز المدن القديمة التي تكونت عبر أزمنة متتالية، وبين المدن الحديثة التي شيدت في وقت واحد. وعلى سنوات متقاربة، ثمة تجانس غير مريح في واشنطن، ربما مصدره هذا التناقض بين تلك المباني الحديثة، والمنشآت الضخمة التي تستوحي العمارة اليونانية والرومانية وهي ليست كذلك، لأن الناظر إلى مبنى المحكمة العليا، أو مكتبة الكونجرس، أو الكابيتول، ربما يجد درجة من التناسق في جورج تاون، حيث المباني تتخذ الطابع الإنجلوساكسوني، وحيث الارتفاعات محددة بحيث لا يزيد أي مبنى عن ثلاثة طوابق، كما أن مواد البناء المستخدمة يبدو أنها محكومة أيضا بقانون صارم، فمعظمها من الطوب أحمر اللون. في واشنطن أدركت مرة أخرى قيمة الفن في تكوين خلفية تمكن الإنسان من رؤية العمق، أو ما وراء الظاهر، عندما دخلنا إلى المطعم لتناول الغداء، رحت أتأمل المكان الرحب، الفراغ الفسيح، بعض الجالسين بمفردهم أو في صحبة، لم يكن ذلك الفراغ غريبا عني، كذلك طريقة جلوس الرجال والنساء، بل.. لا أبالغ إذا قلت الضوء أيضا. ثم تذكرت لوحات الفنان الأمريكي إدوارد هوبر الذي عاش في القرن الماضي ورسم لحظات من الحياة الأمريكية، خاصة خلال الثلاثينيات والأربعينيات، ذلك الإحساس بالمسافات الشاسعة في المكان والذي ينعكس أيضا على البشر، على العلاقات بينهم، وطبيعتها، كنت أرى الواقع الكامن من خلال أعمال هوبر التي أقضي أوقاتا في تأملها ومحاولة استيعاب جمالياتها، ولم أكن أرى فارقا جوهريا في العمق، رغم إنني كنت أتأمل الواقع في مطلع القرن الحادي والعشرين، الفن الحقيقي يلتقط جوهر الإنسان الذي لا يتغير مع الزمان والمكان إلا بقدر ضئيل. اللحظة الثانية عندما خرجت من جامعة جورج تاون بصحبة أصدقاء أعزاء إلى مكتبة قريبة تقع في شارع (ام) هكذا اسمه. حرف واحد فقط، كان هدفي الإطلاع على الإصدارات الحديثة من الكتب، وخاصة في علم المصريات، والفنون الجميلة، وشراء تسجيلات للموسيقى الصينية، وموسيقى الرهبان البوذيين، وكلاهما اكتشفته بهدوء خلال السنوات الأخيرة، بعد استيعابي المستمر للموسيقى التركية الكلاسيكية والإيرانية عندما رأيت الشارع قلت على الفور: هذا شارع أمريكي. كانت مرجعية بصري تلك الشوارع التي رأيتها في الأفلام الأمريكية، عدت إلى شارع (ام) ليلا في اليوم نفسه، كانت ليلة سبت، وفوجئت بتدفق البشر، خاصة الشباب، كأنه مولد، المطاعم خاصة، أصوات الموسيقى، لمحت جموعا منهمكة في الرقص، رأيت فتيات وشبانا بمفردهم، كل منهم يحلق إلى الأمام، ربما يبحث عن رفقة، أو يجد أنسة في الزحام، فالوحدة غالبة، وكان بوسعي أن أرصدها عند من التقيت بهم وتحدثت إليهم، أو خلال لمحات عابرة سريعة لكنها دالة، كما أنها تتصل بما عرفته من أدب، ورأيته من فن أمريكي، سواء في الفن التشكيلي أو السينما.