«في هذا المكان جاء البابا يوحنا بولس الثاني بابا الفاتيكان في شهر سبتمبر عام 1983 للاحتفال بالذكرى المئوية الثالثة لهزيمة الجيوش العثمانية الاسلامية». على لوحة رخامية نقشت العبارة مع رسم لوجه البابا وعلقت على مدخل كنيسة كالينبرج التي تقع على قمة جبل كالينبرج الذي يشرف على العاصمة النسماوية فيينا. فقد كانت جيوش المسلمين ترابط هنا في حصارها الأخير لفيينا والذي أنهته واحدة من أكبر الحروب التي دارت في أوروبا بين المسلمين والاوروبيين عام 1683م، وانتهت بهزيمة المسلمين العثمانيين وانسحابهم حيث كان هذا بداية أفول نجم الامبراطورية العثمانية، وكذلك الامبراطورية النمساوية، فقد انهارت الامبراطورية النمساوية عام 1918م فيما أعلن عن انهيار الامبراطورية العثمانية عام 1924م. غير ان معركة كالينبرج 1683م اعتبرت من أهم المعارك، لأن جيوش أوروبا المسيحية التي كانت تتقاتل فيما بينها طوال الوقت قبل وبعد ذلك، قد توحدت جميعها ضد جيش المسلمين لانقاذ فيينا التي كانت البوابة الشرقية لأوروبا، وكان يعني سقوطها في أيدي المسلمين آنذاك ان تسقط الدول الاخرى تباعاً الواحدة تلو الأخرى. وحينما وقفت على جبل كالينبرج كيف لم تسقط فيينا وهي تحت الجبل؟ وحينما سألت عمن يمكن ان يشرح لي كيف كان حصار فيينا وكيف بلغ المسلمون أسوارها ولم يتمكنوا منها، نصحني بعض الاصدقاء بأن أذهب الى متحف فيينا وهو أحد المتاحف الكثيرة التي تملأ المدينة، لكنه خاص بمدينة فيينا وحدها وتاريخها وفيه طابق كامل يروي بالصور واللوحات عن حصار العثمانيين للمدينة ومسار المعركة حتى النهاية. ورغم ضيق وقتي ذهبت وربطت بين وقوفي على جبل كالينبرج وبين مشاهداتي لمسار المعركة كما صورت بدقة على جدران المتحف، فرأيت بحق ما يصعب عليّ وصفه لاسيما وان النمساويين قد تحدثوا باحترام عن العثمانيين وبطولاتهم، ويستطيع من يمر في حارة كولشينسكي المتفرعة من شارع فافوريتن في العاصمة فيينا ان يلاحظ وجود تمثال يصور رجلاً يرتدي الزي العثماني التقليدي ويحمل آنية من القهوة وخلفة أكوام من السلاح. ولعل هذا يقودنا الى قصة تعرف النمساويين على القهوة التي لم يكونوا يعرفونها حتى ذلك الوقت، فقد كان هناك رجل نمساوي كان ينقل البريد بين قادة الجيش العثماني وبين قادة المدينة المحاصرة خلال سنوات الحصار اسمه كولشينسكي، فكان حينما يذهب للعثمانيين يقدمون له مشروب القهوة، ولم يكن النمساويون يعرفون آنذاك سوى المشروبات الكحولية، وحينما انتهت الحرب وانهزم العثمانيون وانسحبوا خلفوا وراءهم كميات كبيرة من أكياس القهوة، وحينما أراد القيصر أن يكرم كولشينسكي على دوره أثناء فترة الحصار، قال كولشينسكي للقيصر: أنا لا أريد شيئاً سوى أكياس الحبوب التي تركها العثمانيون خلفهم. ومن خلال هذه الأكياس افتتح كولشينسكي أول مقهى في النمسا لتقديم القهوة في قلب فيينا، وكان في البداية يقدمها كما يتناولها الأتراك الى الآن سوداء ومرة دون سكر، فأعرض عنه الناس، لكنه حينما أضاف اليها الحليب والسكر أقدم عليها النمساويون وأصبحت القهوة النمساوية تمثل مشروباً خاصاً لمتذوقي القهوة، بل تحولت فيينا بعد ذلك الى واحدة من أبرز العواصم الاوروبية التي تضم المقاهي وتقدم القهوة. وقد وجدت لوحة مرسومة لكولشينسكي على جدران المتحف، غير ان اللوحة التي تألمت لها كانت صورة القائد العثماني قارة مصطفى وتصور النمساويين لإعدامه في فبراير 1684 على يد العثمانيين بعدما اتهموه بالتقصير في ادارة المعركة والتسبب في هلاك الجيش وهزيمته وعدم اقتحام أسوار فيينا، رغم ان الفرصة تهيأت له مراراً حتى جاءت امدادات الجيوش الاوروبية وألحقت الهزيمة بالجيش العثماني وفكت الحصار عن المدينة. كثير من الناس حينما يذهبون الى فيينا ربما لا ينشغلون إلا بالأوبرا والموسيقى الكلاسيكية الرائعة والجميلة والحدائق الغناء والهدوء والجمال، لكن الناس ينسون في بعض الاحيان ان هناك تاريخاً هو الذي أوصلهم الى الحاضر وان هناك حروباً عاشت فيها فيينا طوال القرون الماضية وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وكانت أسوار فيينا العالية التي بقيت بعض أطلالها، هي الحصن الذي حمى المدينة طوال القرون الماضية من ويلات الحروب، وعلى أسوار المدن حتى وإن زالت دائماً يكتب التاريخ. ـ كاتب وإعلامي مصري