جاءت نتائج الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية كما كان متوقعاً، بل ولأول مرة في تاريخ هذه الانتخابات يحصل الرئيس على اكثر من 80% من الاصوات. لكن السؤال الذي ما زال يفرض نفسه على الفضاء السياسي الفرنسي وعلى الشارع والرأي العام سواء داخل فرنسا او في اوروبا هو: ما هي الأسباب والعوامل التي أدت الى بروز اليمين المتطرف بهذه الصورة وحصوله على 6 ملايين صوت؟ والامر هذا لا يتعلق بفرنسا لوحدها وانما بمعظم الدول الاوروبية. فوز شيراك بالاستحقاق الرئاسي لا يعني ان الفضاء السياسي الفرنسي بخير، انما الواقع عكس ذلك تماماً بحيث ان الامور بقيت في فرنسا على حالها ولم تتغير لأكثر من نصف قرن. حزبان عريقان ديجولي واشتراكي تناوبا على السلطة وتقاسماها منذ الحرب العالمية الثانية، واذا استجاب هذان الحزبان لمطالب الشارع في عقد الستينيات والسبعينيات والثمانينيات فالأمر ليس كذلك في السنوات الاخيرة، حيث لم يصبح هناك اختلاف بين اليمين واليسار وحيث ان هذين الحزبين العريقين لم يتأقلما مع المتغيرات الجديدة والتي تتمثل في انهيار جدار برلين وانهيار الشيوعية وبروز العولمة واليورو. يرى المحللون الفرنسيون ان هذين الحزبين قد تجاوزتهما الاحداث وان مهمتهما قد انتهت واصبحا غير صالحين للحكم بسبب فشلهما في التأقلم مع المعطيات الجديدة، ففوز لوبن بالمرتبة الثانية في 21 ابريل الماضي كان انعكاساً لافلاس النظام السياسي الفرنسي وعجز الاحزاب السياسية الحاكمة عن تلبية مطالب الشارع، ولذلك رأى الكثير ان التصويت كان انتقامياً وجاء ليعبر عن استياء الشارع الفرنسي، حيث ان 55 ملايين فرنسي صوتوا لليمين المتطرف بتشكيلاته المختلفة في الجولة الاولى و6 ملايين في الجولة الثانية. فالحزب الديجولي والحزب الاشتراكي اصبحا بدون تنظيم ولا برنامج واضح ولا أيديولوجية ولا بوصلة ولا هوية، الامر الذي جعل شعبيتهما تتدهور يوما بعد يوم. فالحزب الاشتراكي اصبح لا يضم في قيادته اعضاء ينحدرون من العمال ومن الاوساط الشعبية واصبح بعيداً عن واقع الطبقات المحرومة والمهمشة، اما اليمين فأصبح يتحالف مع الجميع و«يتعايش» مع اليسار ليصبح حكمه صورياً وشكلياً، وهذا ما حدث مع الرئيس جاك شيراك ابان ولايته الاولى. ففي العشرية الاخيرة تعرض المجتمع الفرنسي لهزات عنيفة مثله مثل باقي دول اوروبا، فتعرض للعولمة الليبرالية والوحدة الاوروبية وتقليص السيادة الوطنية واختفاء الفرنك وانهيار الحدود والهيمنة الامريكية وفقدان الهوية وأزمة الدولة وكذلك التنوع الثقافي.. والقائمة طويلة الى جانب كل هذا ظهرت التغيرات التكنولوجية الكبيرة والثورة الاتصالية والمعلوماتية التي افرزت انعدام الامن الاقتصادي الذي بدوره ادى الى اضطرابات اجتماعية عنيفة. في ظل هذه الاجواء المخيفة والمكهربة وجد الشارع الفرنسي نفسه متروكاً لأمره لا احد مهتم به، احس هذا الشارع واقتنع ان الكل هجره وتركه امام مصير مبهم، غامض ومخيف سواء تعلق الامر باليمين او اليسار وهكذا اصبح الماضي لا يضيء المستقبل واختلط اليمين باليسار ولم تصبح هناك اختلافات جلية كتلك التي كانت تميز الماضي السياسي الفرنسي في عهد «ديجول» و«بومبيدو» و«جورج مارشي» و«فاليري جيسكار ديستان» وفي ظل هذا الجو السياسي المظلم تجد القوى السياسية الانتهازية التي تحسن الاصطياد في المياه العكرة ضالتها لترجع هموم ومشاكل الدنيا الى الاجانب والعرب والمسلمين، وكأن هذه الفئة هي سبب البطالة والفقر والحرمان والتهميش والاقصاء. هل يعني فوز جاك شيراك بسدة الحكم الفرنسية لولاية ثانية ان حزبه الديجولي هو الذي يحكم فرنسا، وان اليمين سيفوز بالأغلبية في البرلمان؟ فوز شيراك بالرئاسة الفرنسية لا يعني شيئاً اذا فاز اليسار بالأغلبية في البرلمان وهذا ما يضطر الرئيس «للتعايش» مع اليسار وهذا يعني ان شيراك وكما حدث في الولاية الاولى (1995-2002) يرأس الدولة الفرنسية واليسار يحكمها وهذا ما كان يفعله رئيس الوزراء السابق «ليونيل جوسبان». فإذا استطاع شيراك ان يهزم اليمين المتطرف فهذا لا يعني بالضرورة انه يستطيع ان يتفادى التعايش مع اليسار، لعدة اسباب من اهمها تجربة ولايته الاولى حيث لاحقته وتلاحقه عدة اتهامات بالفساد، وكذلك افلاس تجربة التعايش التي خاضها مع حكومة اشتراكية برئاسة «ليونيل جوسبان» شلت حركة صناعة القرار في قصر الاليزيه. تجربة التعايش كانت سلبية جداً حيث لم يستطع الرئيس شيراك ان يحكم وان يتخذ القرارات وانما اغلبية اليسار في البرلمان هي التي كانت تدير شئون البلاد. فهل يستطيع شيراك هذه المرة لم شمل اليمين وتحقيق وحدته للفوز بالأغلبية في البرلمان؟ والسؤال الذي طرحه ألان جوبيه احد اقطاب حزب «التجمع من اجل الجمهورية» هو «هل نريد اعطاء وسائل وامكانيات الحكم لجاك شيراك، ام اننا نريد ان نقع في تعايش جديد يؤدي الى شلل قاتل بالنسبة للحكم ولصناعة القرار» وهذا هو الامتحان الصعب الذي ينتظر الرئيس شيراك واليمين الفرنسي في استحقاقات الجمعية الوطنية في يونيو المقبل فانقسام اليمين يعني انشطار القوى السياسية في فرنسا الى ثلاثة اقطاب: اليمين واليسار واليمين المتطرف. فوز شيراك بـ 82% لا يعني ان لديه مطلق الصلاحيات لتطبيق برنامجه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وحتى يستطيع ان يفعل ذلك يتوجب على الرئيس الفرنسي ان يفوز حزبه واليمين بصفة عامة بالأغلبية في الجمعية الوطنية، فالفوز الساحق لشيراك في الجولة الثانية للانتخابات يعتبره الكثيرون مجرد انتقام واستفتاء ضد اليمين المتطرف، ليس الا. مهمة شيراك تتعقد اكثر فأكثر إذن والمعطيات ترشح تنافساً حاداً في الاستحقاقات البرلمانية القادمة، فاليسار الذي خسر في الجولة الاولى من الرئاسيات يحاول ان يعود بقوة ليثأر لنفسه ويفوز بأغلبية في البرلمان تعيده الى الحكم عن طريق التعايش، وبذلك سيفرض اليسار نفسه وبقوة وسيحكم رغم أنف رئيس الجمهورية الذي سيضطر للتعايش الذي سيحرمه من تنفيذ برنامجه. اما بالنسبة لليمين المتطرف فيحاول ان يفرض نفسه على الساحة السياسية وان يكسر الاحتكار القائم بين اليمين واليسار الذي تعود عليه الفضاء السياسي الفرنسي وان يفرض معادلة اليمين واليسار واليمين المتطرف فمهما يكن من امر فاليمين المتطرف اصبحت في حوزته قاعدة شعبية تفوق الـ 6 ملايين ناخب، وهذا رقم قد لا يستهان به مستقبلاً لفصل العراك بين اليمين واليسار والسؤال الذي يطرح نفسه في كل هذا هو هل يستطيع شيراك استغلال نسبة 82% وتحويلها الى اغلبية في الجمعية الوطنية تؤهله لان يكون رئيساً يحكم حقاً ولديه وسائل وامكانيات سياسية ام ان الامور سترجع الى سابق عهدها اي التعايش مما يعني ان شيراك سيكون رئيساً شرفياً يرأس ولا يحكم؟! معركة حامية الوطيس تنتظر شيراك في الشهر المقبل، والواقع انه عاد الى نقطة الصفر امام الاستحقاق القادم، فقبل خمس سنوات اجريت انتخابات برلمانية مبكرة ارغمت شيراك على التعايش مع اليسار، واصبح بذلك اسيراً لدستور يمنح الحكومة حق ادارة البلاد وتنفيذ السياسة التي تسطرها من دون ان يكون لرئيس الجمهورية نفوذ وصلاحيات في ذلك. فخلال مرحلة 1997-2002 لم يستطع شيراك كرئيس لفرنسا، ان يضع خطة وينفذها، وها هو اليوم يجد نفسه في نفس المأزق، فإذا استطاع اليمين ان ينظم صفوفه ويتحد ويفوز بالأغلبية آنذاك يستطيع القول انه هو الحاكم، اما اذا ارغم شيراك على التعايش وبذلك اعطاء سلطة الحكم لليسار على طبق من فضة فهذا يعني ان اليسار ترك السلطة وخرج من الباب في الجولة الاولى من الرئاسيات ليعود في شهر يونيو المقبل من النافذة ويفرض نفسه على الرئيس ليحكم بالأغلبية التي سيفوز بها في الجمعية الوطنية. مهمة صعبة تنتظر شيراك في استحقاقات الجمعية الوطنية في شهر يونيو المقبل، اما بالنسبة للشارع الفرنسي فإنه لم يجد صدى لمطالبه لا في كواليس اليمين ولا في دهاليز اليسار الذي اصبح يمينياً اكثر من اليمين في عصر عولمة لا ترحم ولا تشفق. ـ قسم الاتصال ـ جامعة الشارقة