التاريخ الاسرائيلي يواصل اعادة نفسه. فالجنرال ارييل شارون رئيس الوزراء اليوم هو، من حيث الفكر السياسي، الجنرال شارون وزير الدفاع قبل 20 عاماً. الحديث ليس عن مجزرة مخيم جنين التي وقعت في الحاضر المعاش كاعادة انتاج لمجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا قرب بيروت في سياق الاجتياح الاسرائيلي للبنان بقيادة شارون عند مطلع عقد الثمانينيات، وانما عن الرؤية الفكرية السياسية لهذا الجنرال «التوراتي» تجاه مصير الشعب الفلسطيني وأرضه. جرى هذا الخاطر مجرى تلقائيا في ذهني وانا اعيد قراءة كتاب مرجعي بعنوان «عرفات والثورة الفلسطينية» من تأليف الصحفيين البريطانيين اندرو جوارز وتوني ووكر. وفي فصل كامل عن الغزو الاسرائيلي للبنان في صيف عام 1982، الذي كان في مقدمة اهدافه ازالة الوجود الفلسطيني ومنظمة التحرير من الارض اللبنانية، يسرد الكتاب بالتفصيل الخطوات التحضيرية الاسرائيلية لهذه العملية.. وهي خطوات بدأت قبل عام كامل من التنفيذ. وفي هذا السياق يحدثنا المؤلفان عن اجتماع سري حاسم في واشنطن بين شارون كوزير للدفاع والكساندر هيج وزير الخارجية الامريكية. لقد شخص شارون الى العاصمة الامريكية لتأمين الحصول أولاً على ضوء اخضر امريكي للمغامرة الاسرائيلية في لبنان وفي ذهنه «حلم كبير». يقول الكتاب: « في مناقشة محمومة مع هيج لم يحاول شارون ان يخفي حلمه وطموحه السياسي. فقد رسم لنفسه مخططاً كبيراً يتصور فيه فرض الاستسلام والخنوع على الفلسطينيين في الاراضي المحتلة، تمهيداً لتحقيق الحلم الكبير ألا وهو ان يتحول الاردن الى فلسطين.. بمعنى ان يستوعب الاردن الشعب الفلسطيني وبالتالي يخف الضغط على اسرائيل لكي تحقق طموحاتها التي باتت تمتد الى ما وراء الحدود التي كانت قائمة قبل حرب عام 67». ورغم ان تاريخ الفكر السياسي الاسرائيلي يعيد نفسه الآن بعد 20 عاماً، وقد صار ارييل شارون رئيساً للوزراء، إلا انه طرأت ثمة تفاصيل هامشية في هذه الاثناء، فقد برز الى حيز الوجود السياسي مؤخراً «الحزب الوطني الديني» الذي يتخذ لنفسه مكانة على يمين تكتل الليكود الذي يقوده شارون، رغم ان الفكر الليكودي في حد ذاته يصنف في اطار اليمين المتطرف. «الحزب الوطني الديني» يرى نفسه ابعد نظراً من الليكود وشارون فيما يتعلق بمصير الشعب الفلسطيني. ورغم ان قيادة «الحزب الوطني الديني» تشارك الليكود في فكرة «الوطن البديل» ـ اي اخراج الفلسطينيين من الضفة الغربية الى مكان آخر غير فلسطين التاريخية ـ إلا انها ترى في ترحيل الشعب الفلسطيني قسرياً الى الاراضي الاردنية خطراً امنيا استراتيجيا في المدى البعيد على الامن القومي الاسرائيلي. فالاردن سوف يتحول بذلك الى اقوى واشرس قاعدة يمكن ان تتهدد بقاء «اسرائيل الكبرى». عوضاً عن الاردن يقترح «الحزب الوطني الديني» سيناء كوطن بديل للفلسطينيين. ليس هذا تخمينا او استنتاجا يقوم على حسابات الاحتمال التنظيرية. فالجنرال إيتام رئيس الحزب الديني «وهو احد اعضاء مجلس الوزراء الاسرائيلي المصغر» عرض برنامجه بكل الوضوح في مقابلة مؤخراً مع مجلة «تايم» الامريكية. واذ يرى الجنرال ايتام ان ضم الشعب الفلسطيني الى الشعب الاردني سوف يكون من شأنه مضاعفة العداء لاسرائيل من منظور الضخامة السكانية على اقل تقدير، فإن ذلك لن ينطبق على سيناء شبه الخالية ديموجرافيا. وسواء كان الافضل، أو الأقل سوءاً من وجهة النظر الاسرائيلية، ان يكون «الوطن البديل» للشعب الفلسطيني هو الاردن أو سيناء، فإن فصائل اليمين الاسرائيلي تلتقي عند «قناعة» بأنه لا حق للشعب الفلسطيني العربي المسلم في أرض الضفة الغربية.. فهي «أرض مقدسة» لبني اسرائيل بمقتضى «وعد إلهي». هكذا تتبارى فصائل اليمين في اسرائيل، ومن ورائها دعم شعبي واسع النطاق، في تقرير مصير الشعب الفلسطيني انطلاقا من رؤية «توراتية» بأنه شعب من «أجانب» يقيم على أرض غيره. وعلى هذه الخلفية الاسرائيلية لا يزال هناك في الوطن العربي من يحدثنا ناصحا عن مؤتمرات دولية وعمليات تفاوضية.. مع تسفيه للعمليات الاستشهادية.