ترى هل يعقلها (الختيار) ياسر عرفات ويتوكل على الله ويتخذ القرار الذي ظل مؤجلا سنوات ثمينة من عمر السلطة الفلسطينية، عبر تغيير الحرس القديم واحلال الدماء الجديدة، والعقول الشابة الأكثر ادراكا للمتغيرات الوطنية والاقليمية والدولية، وظلت على طهارتها وشفافيتها رغم اشكال المغريات وألوان الترغيب والترهيب؟ لا شك أن المرحلة الصعبة والخطيرة التي يجتازها النضال الفلسطيني الباسل بعدما يزيد على خمسين عاما متصلة، تفرض الآن وأكثر من أي وقت مضى مراجعة المناهج والخطط والسياسات التي أدت الى كبوة الإجتياح البربري الثالث الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، والى حد تماديه في التعجيل بانجاز مرحلة متقدمة من المشروع الصهيوني، يفضي الى تحويل غزة الى امارة منعزلة وترحيل سكان الضفة الغربية الى الأردن وسيناء، والعودة بالقضية الفلسطينية الى أسوأ مما كانت عليه في مربعها الأول! ليس في هذا الطرح شبه محاولة لجلد الذات الفلسطينية، ولا التشكيك في قدرات الشعب الفلسطيني على المقاومة والصمود لانتزاع حريته واستقلاله من براثن أقوى دولة اقليمية في المنطقة، تدعمها أمريكا أقوى دولة في العالم، وتؤمن لها أسباب الغلبة والتفوق النوعي على مختلف الدول العربية سياسيا وأمنيا وعسكريا، وذلك ان فيتنام التي لم يتجاوز تعدادها المليونين استطاعت بقدراتها الذاتية ووحدتها الوطنية وارادتها الصلبة ابتكار الاساليب القتالية التي حققت لها حريتها واعلان دولتها المستقلة، ولعل الثورة الجزائرية مثال آخر يشرف العروبة ويعلي من قدر التمسك بقيم الاسلام ومبادئه. ثم ان المقاومة الفلسطينية رغم ظروف القهر والحصار الإسرائيلي، ورغم وعود الدعم المادي العربي الذي لم يتحقق، الا انها نجحت كما لم يتصور أحد في توظيف امكاناتها الذاتية المتواضعة، وأدارت معركة غير متكافئة مع الجيش الإسرائيلي وقطعان المستوطنين الصهاينة، وحققت انتصارات رائعة مكللة بأرواح ودماء الآلاف من الشهداء الأبرار، ولعل آخرها وليس نهايتها في جنين التي أطلقت عليها صحفية فرنسية وصف (جيننجراد) بعدما حطمت أسطورة جيش الدفاع الاسرائيلي الذي لا يقهر كما حطم السوفييت جيش النازية الهتلرية بعد احتلاله معظم أوروبا في (ليننجراد)! أيا كانت خيارات ياسر عرفات، فلا شك أن بقاءه في السلطة بعد فك الحصار المفروض عليه ليس هدفا في حد ذاته، وانما عليه ان يشرف تاريخه النضالي الطويل وهو مفجر الثورة الفلسطينية، بأن يطرح وراء ظهره لعبة التوازنات والمجاملات ويخوض معركة التغيير والنهوض التي اضطرت نبيل عمرو ودحلان وهما من أخلص معاونيه الى الاستقالة أو الاحتجاج على التباطؤ والعودة الى سياسة دفن الرؤوس في الرمال. واذا كان ياسر عرفات قد رضخ لمبدأ ترحيل المحتجزين الفلسطينيين في كنيسة المهد الى خارج فلسطين، واعتقال المسئولين عن العمليات الاستشهادية، واعلانه عن رغبته في تحقيق السلام بالتعاون مع شارون، ووضع نفسه في اختبار كسب ثقة الرئيس بوش على قدرته في مكافحة الارهاب أو لاجهاض الانتفاضة بمعنى أصح، فلعله لا يعلم أو يعلم والمصيبة اذن أكبر، ان الخطة المرسومة له للسلطة الفلسطينية هي أن تتحول الى شرطي للحفاظ على أمن اسرائيل وتأمين نفاذ المرحلة القادمة للمشروع الصهيوني التوسعي على حساب ماتبقى من أرض فلسطين، وهاهو مدير المخابرات الأمريكية جورج تينت قادم لعقد الصفقة، عبر اعادة تأهيل قوات الأمن الفلسطيني ودمجها تحت القيادة الأمريكية مع قوات الأمن الإسرائيلي. ولا نحسب الا ان تكون خطة ياسر عرفات مجرد حيلة لمد الحبل لأمريكا على الغارب، على أمل اجتياز المرحلة الراهنة الحرجة على نحو اجتيازه بنجاح العديد من المآزق السابقة، لكن في هذه المرحلة لن تسلم الجرة، وعليه أن يقول لا، حتى لو كلفته منصبه أو حياته. ـ كاتب فلسطيني