لا يكاد الانسان العربي يطالع شاشة التلفاز، على اي قناة عربية، حتى تصفعه مناظر عمليات القتل التي يرتكبها جيش «الدفاع» الاسرائيلي ضد الفلسطينيين، كما تدهمه اخبار الاغتيالات التي تستهدف الناشطين في مختلف الاجنحة السياسية الفلسطينية، ولا شك في ان الجميع قد اجتاحهم الغضب العارم، وهم يرون صوراً صارخة لأمهات فلسطينيات ثكالى، وعجائز لا يملكن الا ان يرفعن ايديهن بالشكوى ويصرخن طالبات النجدة، لكن ممن، وليس امامهن الا كاميرات المصورين (؟!)، ثم وهم يرون الاطفال الفلسطينيين وقد ألم بهم الرعب والخوف من الموت الذي تحمله الدبابات الاسرائيلية، التي تعيث في الشوارع، والبنادق التي تقذف بحممها في وجوه الابرياء. واذا كان هذا هو الوجه الاول من الصورة، فإن وجهها الآخر يشاهده المواطن العربي متجسداً في التفجيرات المضادة بين قطاعات المدنيين الاسرائيليين، التي يقوم بها بعض الشباب من الفلسطينيين، ناشرين الرعب والخوف في ارجاء الشارع الاسرائيلي، وهو ما يمثل دورة من الثأر تسير في اتجاهين، وكل طرف يجد الطرف المقابل مخطئاً، وبالتالي يتعين انزال العقاب به، ليستمر مسلسل الكراهية والغضب والعقاب المضاد الى ما لا نهاية.. واذا كان لكل عنف هدف فإن مسلسل الشر، الذي تتتابع فصوله امام اعيننا، عنفاً يولد عنفاً، ليس له من هدف الا ازهاق الكثير من الارواح، واراقة المزيد من الدماء(!). غير ان العاطفة تختلف عن العقل، فالمدرسة الشارونية هي مدرسة للعنف، وتاريخ شارون المعروف هو تاريخ عنف متصل، منذ شبابه حين كان عضواً في العصابات الارهابية المتطرفة، مروراً بمواقعه القيادية في الجيش الاسرائيلي، مما اكسبه لقبه الذي يعرف به الآن «البلدوزر» فهو يكون في افضل حالاته عندما تتاح له فرصة استخدام العنف، كما تتوافر تحت يديه ماكينة عسكرية مدربة ومستعدة للذهاب الى ابعد الحدود لتنفيذ مقاصده وفي المقابل هناك شعب اعزل تقريباً هو الشعب الفلسطيني، الذي تقدم العمليات التي يقوم بها بعض شبابه ـ ضد المدنيين الاسرائيليين ـ فرصة لابادته وتبريراً لهذه الابادة امام العالم، بل اكاد اقول تسويغها وجعلها مقبولة في الاجواء العالمية السائدة، فعدد الفلسطينيين الذين قتلوا في الاشهر القليلة الاخيرة يعد بالآلاف، واذا افترضنا ان هذه العمليات سوف تستمر في الاشهر القليلة القادمة، فالمتوقع ان عدة آلاف اخرى سوف يلحقون بمن قضوا حتى الآن، ناهيك عن تشريد الآلاف، وتهديم المنازل وتجريف الاراضي، بهدف افقار الشعب الفلسطيني في عملية «عض على الاصابع» لا تخلف ندوباً، ولكنها تنتهج البتر. من دون ريب استطاعت حكومة شارون ومناصروها في الداخل الاسرائيلي الافادة من الاجواء العامة العالمية، ومهما تحدثنا نحن العرب عن فرق بين الارهاب والكفاح من اجل الاستقلال، فإن الاجواء العالمية السائدة لا تقبل مثل هذه الاطروحات، خاصة بعد الحادي عشر من سبتمبر، فهناك اغلبية في العالم، وخاصة في الرأي العام الامريكي، يتساوى في عقلها الجمعي ما حصل في الحادي عشر من سبتمبر وما يحدث من تفجيرات ضد المدنيين الاسرائيليين. نعم هناك قلة تتفهم الفرق، ولكنها القلة التي تثبت القاعدة السابقة ولا تنفيها، فالمعركة الاعلامية ـ خارج النطاق العربي ـ هي معركة خاسرة، مهما استطاع الفلسطينيون ان يكسبوا بعض «الجيوب» المناصرة هنا او هناك. الروح السائدة عالمياً تقف ضد استخدام العنف، وخاصة العنف العشوائي، وهي تروج للمواقف والمصالح الاسرائيلية، حتى باتت عمليات الجدار الواقي في نظر قاعدة واسعة من الرأي العام في الغرب «متابعة شارونية» للحرب على الارهاب، واستطاعت الدعاية الصهيونية تمرير هذه الفكرة الى درجة ان الغرب اصبح يعتقد ان اسرائيل تجند امكاناتها لمشاركة العالم المتحضر في حربه ضد الارهاب. الوقت اذن وقت عمل سياسي، وهنا معضلة القيادة الفلسطينية، فهناك من يعتقد، جازماً، من بعض الفصائل الفلسطينية، ان لغة العنف هي اللغة الاكثر فصاحة ومضاء للتعبير عن الظلم الذي حاق بالفلسطينيين، وان القنابل البشرية المفخخة في التجمعات المدنية، هي الثقافة التي يجب ان تسود، اما الحديث السياسي فهو ـ في نظرهم ـ حديث المكاتب وتضييع الوقت، وربما كان هو الطريق الى التفريط بالقضية. مثل هذه التوجهات ثبت في الوقت الحاضر انها تقود الى دمار اكثر مما تقود الى منفعة، ولو ضمنية، فهي تقدم ذريعة لحكومة يمينية يقودها شخص مثل شارون للامعان في التقتيل والتخريب، كما تفقد الفلسطينيين المساندة الاخلاقية الواسعة في الساحة العالمية، فيجد شارون الفرصة سانحة للايغال اكثر في التقتيل والتشريد والتهجير بموافقة دولية..ولا يجدي القول ان الاشهر الاخيرة القليلة قد قادت الى نصر ما! فربما كان هذا هو ما يريد ان يشيعه البعض، ولكن بحساب المكاسب والخسائر، فإن ما تم حتى الآن ما هو إلا هزيمة اكثر منه نصراً، وما هذه المقولات إلا تغييب جديد لوعي يراد له ان يستمر في الغيبوبة. من دون الحديث مع القيادة الفلسطينية الحالية بكثير من الصراحة، قد تختلط الاوراق، فقد اصبحت هناك اصوات جهيرة عربياً وعالمياً، تدعو الى ان تفكر القيادة الفلسطينية في عدد من الامور ربما كانت قد ارجأتها كثيرا حتى تفاقمت سلبياتها. في البداية لا يجوز ان يتعامل ياسر عرفات مع حكومة شارون كما كان يتعامل او تعود ان يتعامل مع حكومة سركيس او فرنجية مثلا، أو اي حكومة عربية عرفها، فذلك امر له علاقة بالماضي وليس بالمستقبل، كما لا يجوز الاستمرار في ممارسات الماضي السياسية والامنية والادارية لدى طائفة كبيرة من المتنفذين والسياسيين الفلسطينيين، فالمرحلة تحتاج الى سياسات جديدة تتفاعل مع المعطيات العالمية الجديدة، واذا كان قانون التاريخ الصارم يقول: «انك لا تنتصر إلا باستخدام الادوات والوسائل التي غلبك بها عدوك» فإن التنظيم المدني والسياسي للفلسطينيين من الضروري ان يتغير ويفارق ما تعودته البيئة العربية ذات الشروط المختلفة عن البيئة الاسرائيلية ذات المنحى الغربي في الادارة السياسية، حيث ينتهجون الشفافية وحق الآخرين في ابداء الرأي الى آخر المنظومة السياسية والاجتماعية التي تحفظ للانسان كرامته وحقوقه، في اطار من القانون الشامل الذي لا يفتقر الى الصرامة في التطبيق. والفرقة الفلسطينية واضحة، فعلى رغم من ان التعددية مطلوبة، إلا ان وجود عشر منظمات في الاراضي الفلسطينية، معترف بها غير تلك الجماعات الصغيرة المتناثرة، هي دليل مرض وليست دليل صحة، وعند تقصي حركات تحرير كثيرة، فإن العامل الاساسي لنجاحها كان دائما هو عامل توحيد القرار، وضبط التنفيذ، الامر الذي شهدت الساحة الفلسطينية عكسه تماما، واذا كان الامر مبرراً قبل ان تصل القوى الفلسطينية الى اراضيها، فقد كانت الذريعة الدائمة في شتات القوة الفلسطينية هي تدخل الانظمة العربية في السابق، اما اليوم فلم يعد لهذه الذريعة موقع أو مبرر ـ التجمعات السياسية الفلسطينية التي يناهز عددها العشرة اليوم رابطتها السياسية ضعيفة ان لم تكن معدومة، وحتى في الفصيل الواحد تسمع اكثر من رأي مختلف جذريا عن الآخر! القضية العادلة تحتاج الى محامين اقوياء ايضا، فهي لن تتحقق بمجرد اعتقاد اصحابها انها عادلة، والمحامون في هذا الجو هم قيادات واعية تعرف الى اين تتجه البندقية، بقدر وعيها الى اين تتجه بالاقناع والعمل السياسي، وتدرك الشروط الدولية التي تحيط بقضيتها. لقد جاء الرئيس بوش الابن الى الحكم منذ خمسة عشر شهراً تقريباً، وجاء شارون الى الحكم منذ حوالي اربعة عشر شهراً، في هذه الفترة التقيا حتى الآن خمس مرات، اي بمعدل مرة كل ثلاثة اشهر، فيما حرمت القيادة الفلسطينية من الاتصال بأي قيادة عالمية فاعلة في كل هذه الفترة، وما كان هذا ليحدث إلا بسبب الممارسة السياسية الغائبة عن الوعي والادراك العميق لملابسات الواقع الدولي. اصلاح البيت الفلسطيني يأتي في مقدمة المتطلبات العاجلة، وهو امر طالب ويطالب به الفلسطينيون «الشعب» منذ امد طويل، وبدأ يظهر علنا لدى بعض «القادة» ايضا، وظهرت على السطح أخيراً مؤشرات تقود الى ان اعتقاد البعض في القيادة الفلسطينية قد وصل الى نهاية المطاف في هذا الامر، وما يرجوه كثيرون هو ألا تصم السلطة اذنيها عن هذه المطالب الضرورية، وألا تطويها تحت سطح الاحداث بحجة ان الوقت لا يسمح، فهذا الوقت هو الوقت الصحيح، لان المعركة ليست في نهايتها، بل انها لم تزل تدق ابواب مرحلة البدء، ومن ثم فهي بقدر ما تتطلب كثيراً من الصبر والاناة، تحتاج الى قيادة جديدة واعية، تفهم متغيرات العصر وتستجيب لها بفاعلية. ـ الامين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب ـ الكويت