من منطلق المقولة المصرية الدارجة «يا فرحة ما تمت» نقول ايضا «فرحتان في الصميم موجعتان». على اثر بيان شرم الشيخ الذي اخذت فيه القمة العربية قسما على نفسها امام العالم انها ضد كل انواع «الارهاب»، وانها تقسم الى يوم الدين انها مع السلام من هنا الى اخر الزمان، فرح العرب بما تم التوصل اليه، وسبب الفرحة طبعا هو اننا اعلنا في بياننا وامام العالم اجمع اننا لا نضمر كرها لاسرائيل هكذا بمجانية، ولا نريد لها الزوال، ولا الحرب، وان قلوبنا الطيبة مفتوحة لها شريطة ان تعطينا حقنا بالطرق القانونية لا بالبندقية ولا بجهاد استعمارها واذلالها، فرح العرب لاننا برأنا ساحتنا من تهمة «الارهاب» التي اتهمونا بها. وتلك كانت الفرحة الاولى. وبعد ساعات وربما لحظات من اعلان بيان شرم الشيخ رحبت اسرائيل، وشارون بنفسه ايضا بهذه البادرة العربية الطيبة، وفرح العرب لان قلب اسرائيل القاسي انشرح، «واقبلت تمشي رويدا»، وفرح العرب وكانت تلك الفرحة الثانية، ويا فرحة ما تمت. صفع الليكود شارون، واقسم نتانياهو كما اقسم العرب «لن تكون هناك دولة فلسطينية في غرب نهر الاردن لان دولة كهذه ستشكل تهديدا مميتا لاسرائيل»، هكذا رافعا صوته في وجه شارون الذي فشل في طرد عرفات والسلطة كاملة حسب قوله. ثم رفعت اصابع التصويت في اجتماع اللجنة المركزية لحزب الليكود لتثبت اغلبيتها انه لا تنازل عن اسرائيل الكبرى، واحلام الصهيونية العالمية. لا نخسر الفرح لان اسرائيل هي التي تريدنا ان نخسره، لكننا يبدو اننا نسترخصه كثيرا ونرمي به على الرصيف من اول قبلة حتى ولو كانت مزيفة وصفراء مريضة، هذه علتنا بالضبط. فهل صرنا الى هذا الحد من الاستلاب الذي يصل الى السرقة، سرقة مشاعرنا، وسرقة كلماتنا، وسرقة وعودنا، وأغلظ أيماننا؟ والا ماذا؟ في قمة بيروت ما ان انتهينا من اعلان حل وجدنا فيه خلاصا من جرذ الصهيونية، وسدا يقينا شره وبلاه، واعلنا فيه للعالم اننا امة سلام، واننا نرضى باحتضان السرطان المميت من اجل حفنة كيلومترات، ومن اجل رفع القلق عن العالم المترف، ومن اجل ازالة اللغم الأيل للانفجار، ومن عيون الشرق الاوسط التي ما هدأت يوما من البحلقة في الخوف والرعب، واكراما لسادتنا البيض الشقر، حتى دوت مدافع اسرائيل تفتك بالارض والعرض. وها نحن ما ان انتهينا من قسم شرم الشيخ ومع كل التنازلات عن كل تلك الدماء التي اهدرت غدرا، وبعد ان اكلنا احزاننا وبلعناها، وقررنا اختيار السلام مصيرا وملاذا من كل مكروه، حتى قرض جرذ الصهيونية خبزته وسممها وباصرار. ما تمت الفرحة ولن تتم لانها وهم، وهذا الجرذ المسمى اسرائيل ليست الا تكتل عصابات اجرامية مأجورة، اوجدت لا لكي تتناوب على قيادة دولة وهمية مزعومة، بل اوجدت لتكون السرطان الدائم في الكبد.. فلمن سيتفرغ العرب لشرح المزيد عن حاجتهم للسلام وحبهم له وامنياتهم في ظلال شجره الذي لا تنبت بذرته في ظل هذا السم. شارون يقترب من اكمال حلقته وسينتهي، وسينوب عنه من يبدأ الحلقة الجديدة، وكل الحلقات لا تؤدي الى السلام.