سعادة السفير محمد اسد كان مندوبا لدولة باكستان لدى منظمة الامم المتحدة، ذاعت شهرته بوصفه واحدا من ابرز السفراء المنتمين الى العالم الاسلامي.. كيف لا وقد كان يجيد الانجليزية والالمانية والعربية والعبرية بل والارامية (اللغة التي كان يتكلم بها السيد المسيح عليه السلام)، في عام 1952 قرر صاحب السعادة وزير باكستان المفوض ومبعوثها فوق العادة في نيويورك ان يستقيل من منصبه الرفيع. لماذا؟ لكي يكتب قصة حياته، سيرته الذاتية التي استغرقت كتابتها نحوا من ثلاث سنوات بعدها سافر الدبلوماسي الى اسبانيا ليستقر هناك على مدار 17 عاما كانت حافلة بالدرس والبحث ومن ثم فقد آتت، بحمد الله، اينع الثمرات وجاءت هذه الثمرات الطيبات على شكل ترجمة بليغة الى الانجليزية وتفسير راق رفيع لمعاني القرآن الكريم ومرة اخرى فقد استغرق هذا العمل العلمي الموسوعي نحوا من 17 عاما عاشها الاستاذ محمد اسد في ظل شيخوخة طيبة فاعلة، وعاملة وموجهة نحو الانجاز العلمي الذي أتمه الرجل لوجه الله تعالى. وفي 23 فبراير من عام 1992.. ودع محمد اسد الحياة ورحل راضيا يلقى وجه ربه في عالم البقاء. كاتب هذه السطور صادف شذرات من سيرة محمد اسد، رجل الدولة في باكستان المسلمة حين اخرجت للناس ترجمة لعمل مهم من تأليف الكاتب الامريكي الشهير «روبرت كابلان» بعنوان «المستعربون» ولما كان «كابلان» قد عرض في كتابه لمئتي سنة من نشاط امريكا في الشرق الاوسط ـ المشرق العربي بالذات ـ وقد تجسد هذا النشاط في جهود بذلتها طوائف شتى واخلاط متنوعة من الامريكان، كان منهم سفراء محترمون ومبعوثون فاهمون وتربويون مقتدرون، بقدر ما ضمت صفوفهم طغمة من المغامرين والجواسيس والانتهازيين لا عجب ان اخذت للترجمة عنوانا مغايرا هو: «الحملة الامريكية» على الشرق على وزن الحملة الفرنسية التي اغار بها نابليون على بلادنا منذ مئتي وخمس من السنوات من عمر هذا الزمان. ومن يوم صدور هذا الكتاب ظللت مشغولا بسيرة هذا الرجل ـ محمد اسد ـ كنت اعرف انه نشأ يهوديا اوروبيا ومن عائلة ضمت عددا من الحاخامات وربما كان ابوه المحامي النمساوي يعده لكي ينضم الى هذا السلك من الاباء الروحيين.. وكنت اعرف ايضا ان الرجل كان اسمه الاصلي هو ليوبولد وايس او فايس في نطقه الجرماني وانه تعلم في عاصمة النمسا ـ فيينا منذ مولده في اولى سنوات القرن العشرين. وفي آخر زياراتنا الى نيويورك ـ وكان ذلك مع بدايات الصيف الماضي ـ عرفت ان ثمة قريبة للمرحوم محمد اسد تعيش في امريكا وربما تكون زوجة او بنتا او حفيدة، وهيأت النفس لترتيب لقاء معها لعلها تزودني بالمزيد من المعلومات عن هذه الشخصية التي عاشت في زمانها تحولات ما اجدر ان نرصدها ونحللها ونتابع مساراتها ـ وما كل ما يتمناه المرء يدركه ـ وقد حال دون تحقيق عزمنا هذا وقوع حوادث سبتمبر الماضي بكل تداعياتها التي كان ابرزها ذلك الجو المشحون بهستيريا التوتر الذي ساد حياة الناس وأحاط اهتماماتهم بما يشبه سور الحصار الزجاجي غير المرئي ولكنه المقيت المسموم. ولكن يشاء الله سبحانه ان تأتينا سيرة محمد اسد تطرق بابنا في القاهرة وبالتحديد حين وصلنا عدد فبراير 2002 من مجلة «سعودي ارامكو وورلد» الصادرة بالانجليزية وفيه ملف كامل يحمل العنوان التالي: ـ «من برلين الى مكة: رحلة محمد اسد الى عالم الاسلام»، والملف من اعداد الاستاذين اسماعيل نواب ولويس فيرنر ومن أثمن ما فيه عدة صور نادرة لحياة الناس في منطقة الشرق الاوسط بين القاهرة والجزيرة العربية ومن ايران الى الهند وكلها بعدسة محمد اسد شخصيا وهي منشورة باذن كريم من زوجته ـ بالأدق ارملته ـ السيدة بولا حميدة اسد (ولعلها السيدة التي كنت انشد لقاءها في نيويورك.. والله اعلم). لقد اختار محمد اسد لسيرته الذاتية عنوانا تلقائي الدلالة هو: .. الطريق الى «مكة». وقد بدأت اولى الخطوات على هذا الطريق المبارك من يوم مولد صاحب هذه السيرة الذاتية ليوبولد فايس في شهر يوليو من عام 1900 للميلاد في قرية المانية كانت ايامها من اعمال امبراطورية الهابسبورج في النمسا والمجر وهي اليوم تابعة لبولندا، وفي سن الرابعة عشرة انتقلت اسرته اليهودية الى العاصمة النمساوية فيينا حيث قرر فتاها ليوبولد ان يهجر المدرسة ويتطوع في جيش الامبراطورية مقاتلا في الحرب العالمية الاولى وربما متطلعا الى مجد عسكري تصنعه بطولات كان يتصور انها تنتظره في ميدان القتال. والحاصل انه ما كاد الفتى يرتدى زي الحرب حتى انهارت امبراطورية الهابسبورج من اساسها وزالت عن خريطة اوروبا وتبددت احلام المجد العسكري المأمول فكان ان تحول الفتى الى دراسة الفلسفة في جامعة فيينا والى التردد على مقاهي تلك العاصمة الزاهرة حيث كانت تتردد وقتها افكار ونظريات «سيجموند فرويد» وزميله عالم النفس «الفريد ادلر» وحيث كانت تتطاير في الهواء طروحات التحليل النفسي وعلم الدلالة اللغوية ونظريات الوضعية المنطقية.. وكلها لم تكن تشفي غليل فضول متوثب في نفس ليوبولد فايس الذي كان تستبد به اشواق غريبة وتؤرقه طموحات فريدة تكاد تدفعه دفعا الى طريق مجهول. في السنوات العشرين الاولى من عمره كان قد فارق عقيدة نشأته اليهودية التي لم تجب على ما تردد بين جوانحه من تساؤلات ومن ثم كان يعد نفسه من طائفة اللا ادريين ـ اغنو ستيك الى ان قيض له وهو في الثانية والعشرين ان يسافر في رحلات الى الشرق في مصر وفلسطين ثم في العراق وسوريا وافغانستان والاردن وايران هنالك بدأ يتعامل مع المسلمين عربا وغير عرب، وكم راعه ان دينهم الاسلام كان يتغلغل في صميم حياتهم ينظم ايقاعها ويروي ظمأ نفوسهم ويشيع بين جوانحهم روح السكينة واليقين وهدوء الخاطر وراحة البال. كان ليوبولد فايس الالماني ـ النمساوي ـ اليهودي سابقا واللا ادري حاليا يسافر كثيرا كصحفي ويقرأ كثيرا كمثقف شغوف بالديانات والفلسفات الى ان واعده القدر في احد ايام سبتمبر من عام 1926. كان يستقل مترو الانفاق في برلين وركب في مقصورة الدرجة الاولى التي كان يشاركه فيها كوكبة من علية مجتمع عاصمة الالمان ألفى نفسه وقد استسلم الى تأمل وجوه القوم بما كانت ترسمه من تعبيرات يبدو عليهم امارات الثراء وسعة الاحوال، واضح انهم يلبسون بأناقة ويأكلون في رغد وينعمون في بحبوحة.. لكن عين صاحبنا لم تخطيء علامات الالم.. التوتر.. القلق على اخاديد وجوههم وفي حدقات عيونهم، لماذا يرى هذا المزيج من النعيم والعذاب؟ حمل ليوبولد السؤال الى بيته وحين دخل غرفة مكتبه صادف كتابا مفتوحا كان يقرأ فيه في ليلة مسهرة بأرق السؤال كان الكتاب ترجمة انجليزية لقرآن المسلمين ومد فايس يده يتناول الصفحة المفتوحة من ترجمة القرآن واذا به يقرأ هذه الكلمات «ألهاكم التكاثر.. حتى زرتم المقابر.. كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون، كلا لو تعلمون علم اليقين.. لترون الجحيم، ثم لترونها عين اليقين، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم». هنالك اهتدى صاحبنا الى اجابة السؤال: هذه النعمة ألهت الناس عن ذكر الله والتفكر في الحياة الاخرى ولم تحل بينهم وبين معاناة ارتسمت على وجوههم رغم ما يتمتعون به من رخاء مادي لم يكد يجدهم نفعا في ظل الجدب الروحي الذي يعانون. هذه اللحظة يسجلها صاحب السيرة الذاتية الطريق الى مكة في سطور تقول: ـ عرفت الآن، دون ادنى ريب، ان الكتاب الذي تهتز به يدي في تلك اللحظات هو كتاب موحى به من عند الله ورغم انه انزل على رجل من الناس منذ ثلاثة عشر قرنا الا انه استشرف بوضوح امرا ما كان ليتضح سوى في زمان مثل زماننا الذي اكتنفه التعقيد وسيطرت عليه الماكينة واستبدت فيه الهواجس والوساوس بأفئدة الناس. كانت تلك اذن هي العلامة الفارقة على الطريق، لم يكذب صاحبنا خبرا قرر التحول الى اعتناق الاسلام ذهب الى امام الجماعة الاسلامية الصغيرة وقتها في برلين وأشهر اسلامه واختار اسمه الاول (محمد) تكريما لاسم النبي صلى الله عليه وسلم وألحقه باسم «اسد» تذكارا باسمه القديم ليوبولد ثم عقد زواجه الشرعي على صاحبته «إلزا» التي شاركته لحظة تجليه في مترو برلين ثم تحولت لفورها الى الاسلام. بعدها استقال اخونا في الدين محمد اسد من عمله محررا في اكبر صحف المانيا، لقد قرر ان يحقق حلمه الاثير القديم ان يحج الى بيت الله الحرام. وكان ذلك هو اول الاشواط على الطريق الى مكة وسوف يقطع محمد اسد اشواطا اخرى نكمل معها قصته في جزء ثان باذن الله من هذا الحديث.