لم تستطع الولايات المتحدة ان تروج لبضاعتها في اوروبا رغم ان هذه البضاعة تسوق احياناً في هذا البلد الاوروبي او ذاك، واذا كانت الاجواء السياسية المسيطرة، على اوروبا تتجه نحو التحرر من الهيمنة الامريكية فإن هذا التحرر مرهون بمجموعة من الاشكاليات الداخلة في نظام تلك العلاقة. فالولايات المتحدة رسمت استراتيجية جديدة بعد انهيار العدو التقليدي للرأسمالية الغربية وهو الاتحاد السوفييتي الذي كان يعتبر القطب الاول في مواجهة الاطلسي، الا ان انهياره وضع السياسة الامريكية في دائرة جديدة، خاصة بعد ان اصبح مفهوم العولمة مفهوماً احادي القطب لا يقيم اي وزن لصديق او عدو وصار لزاماً على السياسة الامريكية في مفهومها الجديد ان تقف بوجه اية قوة تحاول الظهور على سطح السياسة العالمية حتى لو كانت هذه القوة اوروبا مجتمعة او احدى دولها، وتجلت هذه الظاهرة بشكل اكثر سطوعاً بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر التي طالت بتأثيرها اوروبا كما طالت العرب ايضاً. الابن الضال من هذه الثنائية المرتبطة بالمصالح برز الصراع السياسي الذي تحاول الولايات المتحدة ان تحتويه من جهة وتحاول اوروبا الا تظهره بشكل واضح من جهة اخرى، رغم ان بعض القضايا تظهر بين الفينة والاخرى ويمكن لخطها البياني ان يرتسم ضمن دائرة التوترات العالمية التي تؤثر على المصالح الداخلية والخارجية للطرفين، خاصة في الوطن العربي، لتبرز حالة صراعية سياسية او اقتصادية على ابعد تقدير ضمن هيكلها العام، ولكن ولادة هذه الحالة غالباً ما تدفن قبل ان يكتمل جنينها وهذا بالتأكيد هدف امريكي كان ولايزال قائماً حتى قبل انهيار الاتحاد السوفييتي. ويمكن الان ان نقرأ الحلقات السياسية المتناقضة بين الطرفين مع ادراك العامل التاريخي البشري الذي يربط اوروبا والولايات المتحدة، فبشكل نظري تعتبر اوروبا الام الحقيقية للولايات المتحدة التي تشكلت بتعدد قومياتها من مجموعة الهجرات الاستعمارية الاوروبية التي ذهبت باحثة عن الذهب الجديد في قارة الامريكي الاول «الهنود الحمر». وقد تبدو هذه الصورة الان بعيدة عن المشهد العام، الا ان معظم الامريكيين مازالوا يتباهون بأصولهم ويحددون موطنهم الاصلي في اوروبا، ومع ذلك استطاعت القوميات البيضاء ان تسيطر على القوميات الملونة من جهة وان تدعم كياناتها ومصالحها حتى على حساب اوروبا الام الشرعية لهم، وظهر التحدي الكبير خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ودخول مفهوم العولمة من نافذة التنظير الى باب التنفيذ. فالولايات المتحدة لا تريد ان ينمو في اوروبا قطب جديد قد يهددها في وقت من الاوقات بدلاً عن الاتحاد السوفييتي السابق، لذلك تحاول بين الحين والاخر ان ترمي قنبلة هنا او مفرقعة هناك. ان واشنطن ومن خلال حلف الناتو لعبت اللعبة الاوضح في السياسة الجديدة تجاه اوروبا فقامت بضرباتها ضد القوات الصربية بمشاركة بريطانيا التي تحاول بشتى الوسائل ان تأخذ نصيبها من عولمة الولايات المتحدة مما يجعلها تمارس سياسة اشبه ما تكون بسياسة التابع الفعلي لواشنطن رغم قوتها التي لا يستهان بها، وفي ضرباتها على القوات الصربية اظهرت واشنطن علانية طريق سياستها الجديدة حيث وضعت كل المساعي الاوروبية على الرف ليأكلها الغبار رغم ان الاثر الاكبر في البلقان يتداخل بشكل طبيعي مع الحدود الاوروبية، ولكن الولايات المتحدة بنظريتها الجديدة باتت تضرب بعرض الحائط كل صديق تتوقع في يوم من الايام ان تقوى شوكته، فتصرفت في المسألة الصربية كما ارادت بل حاولت ان تتفرد في قرارات الحلف الاطلسي مما جعل الاتحاد الاوروبي يبحث جدياً في اقامة قوة عسكرية لاوروبا تكون بديلاً عن حلف الناتو. ولكن واشنطن التي تابعت مشوار تسللها الى السياسة الاوروبية لم تكترث اطلاقاً للمواجهة التي ظهرت علناً في المرحلة الاخيرة امتداداً لأول موقف معارض بحدة لسياسة واشنطن وهو موقف الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديجول الذي وصفها «بالهيمنة الامريكية»، وهذا ما تابعه في ظل الظروف الحالية مجموعة من القادة الاوروبيين كالرئيس الفرنسي جاك شيراك ووزير خارجيته السابق فيدرين ووزير خارجية المانيا يوشكا فيشر واظهروا بشكل واضح القلق من تجاهل واشنطن لحلفائها، وبدلاً من التفكير العملي الذي يجب على الادارة الامريكية ان تقوم به فإن وزير خارجيتها كولن باول رد على التذمر الاوروبي بالقول انه يجب على الدول الحليفة احترام سياسة الولايات المتحدة حتى لو كان لهم رأي اخر. ويبدو ان مرحلة الصراع الحالي بين واشنطن واوروبا وفي ظل ادارة بوش قد فرضت مجموعة من الظروف ليس اولها الاختلاف على حرب الولايات المتحدة ضد من تسميه الارهاب، تلك الحرب التي صارت عنواناً امريكياً واضحاً لتصفية الحسابات القديمة والشروع بتنفيذ سريع لسياسة العولمة. واذا كانت خلافات اوروبا وامريكا اساسها النظام العالمي الجديد وقيادته فإنه وبالمقابل يدخل هذا الخلاف في مجموعة من الاشكاليات تبدأ هنا من الطموح الاوروبي الذي صار مرهوناً بقوة الاتحاد الاقتصادي الكبير وما افرزه من قوة جديدة طرحت اليورو عنواناً لها كمنافس حقيقي للدولار، ولكن حتى هنا فإن الولايات التحدة ردت سريعاً على الاحلام الاوروبية وبتحد واضح بالشكل الاقتصادي من خلال فرض شروط جديدة على تجارة الصلب الاوروبي بعد مجموعة من الاختلافات اهمها الدرع الصاروخي الامريكي الذي تجاهل الدعوات الاوروبية لايقافه كونه سيفتح حلبة جديدة لسباق التسلح لا تريدها اوروبا وتبحث عن التنمية بدلاً عنها، وجاءت قبل ذلك الخلافات على موضوع البيئة الذي تجاهلته الولايات المتحدة ايضاً مما جعل الشارع الاوروبي يعيد حساباته ناظراً الى الولايات المتحدة نظرة فيها الكثير من التساؤل حول مستقبل تلك العلاقة وبالطبع فإن هذه الدائرة الصغيرة افرزت مجموعة من التداخلات في السياسة الامريكية ـ الاوروبية منها الاختلاف على محور الشر والمنظمات التي ادرجتها واشنطن في قائمة الارهاب ضمن جو واضح من المعارضة الاوروبية تجاه ضرب العراق لتكتمل الصورة في المعارضة الاوروبية لسياسة واشنطن ودعمها اللا محدود لمجازر الكيان الصهيوني مما يجعل الساحة العربية قريبة وبشكل مباشر من تقاطعات سياسة اوروبا ـ امريكا. مصالح استراتيجية ان الوطن العربي يدخل بشكل مباشر في ثنائية الاختلاف الامريكي ـ الاوروبي فأوروبا يربطها بالوطن العربي اكثر من رابط سواء من الناحية الجغرافية او من الناحية التاريخية او الاقتصادية وقربها من الوطن العربي، يفرض عليها مجموعة من الحقائق التي لا يمكن تجاهلها. ففرنسا مثلاً تعتبر امن حوض البحر الابيض المتوسط قضية في غاية الاهمية خاصة انها ما زالت تدعم استراتيجيتها في هذه البقعة ولا يرضيها على الاطلاق ان يصبح المتوسط ضمن حسابات الاستراتيجية الامريكية، بينما تسعى الولايات المتحدة لابعاد اوروبا عن المسائل الحساسة في هذه المنطقة، وهذا ما يحصل خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية فأي تحرك لأوروبا بهذا الشأن يجعل الادارة الامريكية تتدخل وهي التي رفضت التدخل مع بداية تسلم بوش الرئاسة، وهذا ما حصل في جولة كولن باول الاخيرة التي كانت اوروبا محطة هامة من محطاتها واستطاع ان يفرض على اللجنة الرباعية الآراء الامريكية، فبينما كانت اوروبا تسعى لمعاقبة اسرائيل خرج البيان الرباعي فارغاً من هذا المضمون. ولكن مع كل ذلك فإن اوروبا غير راضية عن السياسة الامريكية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية واعتراضاتها كانت في هذه المرحلة اعتراضات لم تكن تتوقعها واشنطن التي دعمت الارهاب الصهيوني الى ابعد حدود فقد قال وزير الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين: «على اوروبا ان تتخذ قراراتها بعيداً عن النفوذ الامريكي اذا لم نكن متفقين مع السياسة الامريكية وعلينا ان نقول ذلك لا سيما فيما يتعلق بشئون الشرق الاوسط» وبالطبع فإن فرنسا التي انشغلت في مفاجآت الانتخابات الرئاسية ابتعدت بشكل ما عن هذا الموضوع في مرحلة المجازر الاسرائيلية الاخيرة ولكن عودتها ستكون قوية بعد الانتهاء من شئونها الداخلية كونها الدولة الاوروبية الاكثر ارتباطاً بالمنطقة، وقد عبر الاتحاد الاوروبي كثيراً عن قلقه تجاه سياسة شارون والدعم الامريكي له فمنسق السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي خافيير سولانا قال: «سياسة شارون ستدفع باتجاه اشعال حرب في الشرق الاوسط» وكثيراً ما عارضت اوروبا سياسة واشنطن الداعمة لاسرائيل كما عارضتها وزيرة خارجية السويد (آنا ليند) حين قالت في اجتماع بروكسل الماضي: «سياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة العربية تفتقر الى الموضوعية وهي سياسة خطرة جداً ومن شأنها مكافأة عنف شارون، انه جنون يتناقض مع عملية السلام برمتها». ان اوروبا اليوم من المتوقع ان تعيد كل حساباتها في علاقتها مع الولايات المتحدة واذا كانت هذه الحسابات بحاجة لمراجعة فإن الجانب الاوروبي لن يستطيع ان يصمت اكثر من ذلك سواء في علاقاته الخاصة بالشأن الاوروبي او في علاقاته الشرق اوسطية التي ستتوجها الشراكة المتوسطية عام 2010 وهذه الشركة بالتأكيد لن تقتصر على الجانب الاقتصادي بل ستتعدى ذلك الى الشأن السياسي الذي يرعى مصالح هذه الشركة ويحافظ عليها مما يعني اندفاعة اوروبية سريعة تجاه العلاقات العربية الاوروبية وسعي لسياسة اكثر اعتدالاً تقف في وجه السياسة الامريكية المنحازة الى اسرائيل وبالطبع من خلال المصالح الاوروبية، واذا كانت الاحداث الاخيرة التي افرزت تفرداً امريكياً في معالجة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي دون اكتراث لاوروبا سواء من واشنطن او تل أبيب فإن المرحلة المقبلة ستشهد تطورات مختلفة عن الواقع الحالي اهمها يتمثل في سعي اوروبي جديد نحو التدخل في عملية السلام التي اجهضها شارون فأوروبا غير راضية عن السياسة الاسرائيلية وان كانت احياناً ترضخ للاملاءات الامريكية فهي الى الآن ما زالت تنظر الى مصالحها بشكل حذر وما زالت بالمقابل غير متأثرة كثيراً بما يجري كونها لم تطالب بشكل عملي بالتدخل ولم تجد اية ضغوطات عربية لممارسة دورها في المنطقة بمعنى ان مصالحها في الوطن العربي لم تتأثر بحرب شارون مما يعني ان دور العرب يجب ان يتمتع بقدرة تفاعلية اكبر في ظل الاحداث التي ما زالت تهدد الوجود العربي. ان العرب اليوم بحاجة الى السياسة الاوروبية كما هي اوروبا بحاجة الى العرب مما يعني ان تفعيل الدور الاوروبي لا يكون ولن يكون الا من خلال ارادة العرب فمصالح اوروبا الاقتصادية والأمنية في الوطن العربي تعتبر الاكثر اهمية من مصالحها مع اسرائيل مثلاً، وتفرد الولايات المتحدة في العالم لن يرضي اوروبا كما لا يرضيها على الاطلاق ان تقترب واشنطن من الحدود الاوروبية، وحتى سياسة شارون المرتبطة بالدعم الامريكي لا تتناسب مع السياسة الاوروبية ويدرك الكيان الصهيوني هذه الحقيقة مما يجعله يحاول هو الآخر ان يبعد اوروبا عن القضية الفلسطينية، ولكن هل سيبقى الوطن العربي في انتظار الرحمة الامريكية وهل ستبقى اوروبا تتعامل مع السياسة الامريكية بالخجل والحذر؟ ان الواقع الذي يجب ان يحكم العلاقات بين ثلاثية العرب واوروبا والولايات المتحدة هو بالتأكيد المصالح الخاصة بكل طرف وقد صارت مصالح الولايات المتحدة اوضح من الشمس في منتصف النهار واصبحت سياستها اوضح من ذلك بكثير سواء من منظار العرب او من خلال رؤية اوروبا التي ادركت انها استفادت كثيراً من المقاطعة العربية الشعبية (الخجولة جداً) للبضائع الامريكية التي تمت في المرحلة الاخيرة من العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني، وبالتأكيد ان المسعى الاوروبي يطمح لأكثر من ذلك، انه يطمح في واقع الامر الى شراكة مع الوطن العربي ويطمح ايضاً في لعب دوره الحقيقي في المنطقة القريبة جغرافياً، وهذا الطموح لن يكون بطبيعة الحال أمنيات للعرب وتمنياً لأوروبا دون ايجاد قاسم مشترك من المصالح لابد انه سيفيد العرب واوروبا في آن معاً. ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق