بينما ينغمس الحكام والنخب المثقفة في الوطن العربي في مجادلات حول جدوى أو عدم جدوى العمليات الاستشهادية، يجري في الولايات المتحدة واسرائيل تحديد خطوط الصراع كمعركة عقيدة دينية مع اكتمال بناء التحالف الجديد بين «اليمين المسيحي» الامريكي واللوبي اليهودي. ولا نحتاج للرجوع الى الحكمة المأثورة «تعلم من عدوك».. فلدينا مرجعية جاهزة: القرآن الكريم الذي يروي لنا قصة اليهود مع الاسلام والمسلمين ومآلها الى يوم الدين. وإذا كان بعض منا نسي أو تناسى هذه المرجعية العقيدية، فإن ارييل شارون لا يفتأ يذكرنا بها ـ ويذكر الأمة اليهودية أيضاً ـ صباح مساء. ففي مقابلاته الإعلامية لا يشير شارون الى الضفة الغربية إلا باسمها «التوراتي» «يهودا وسامريا» مضيفا في أغلب الاحيان ان الوجود اليهودي على «هذه الأرض» (والاشارة هنا تمتد من الفرات الى النيل) سابق على الوجود العربي بأكثر من ألف سنة. وربما يقال ان الرؤية الشارونية هذه لا تحمل جديداً.. باعتبارها رجع صدى لدعوة الحركة الصهيونية العالمية منذ قيامها قبل نحو قرن. ومع ذلك هناك جديدان: أولاً: تحول الدعوة الصهيونية من هدف ديني نظري الى برنامج سياسي براجماتي على يد اليمين الاسرائيلي كما تجسده الزعامة الشارونية. ثانياً: البروز المتنامي حاليا لليمين المسيحي المتطرف داخل الولايات المتحدة تحت اسمه الجديد «الانجيليين»، وتحالفه مع اللوبي اليهودي تحت راية عقائدية. ونقطة الالتقاء في هذا السياق هي نقطة الالتقاء بين «العهد القديم» (التوراة) و«العهد الجديد» (الانجيل) بأن «الارض المقدسة» على ضفتي نهر الأردن وما حولها هي وطن للأمة اليهودية بحكم «وعد الهي». بهذه الرؤية الدينية المشتركة ينشط الآن هذا التحالف الجديد كأقوى مجموعة ضغط داخل الولايات المتحدة، يمارس نفوذاً سياسياً لصالح اسرائيل على صعيدي الكونجرس والبيت الأبيض. ورأينا كيف يتسابق نواب الكونجرس بمجلسيه ورجال الادارة الامريكية، من بوش الى تشيني ورامسفيلد عبوراً بكوندوليزا رايس وكولن باول، الى سن تشريعات أو اتخاذ اجراءات حاسمة تجسد المزيد من التحيز الامريكي الفاضح للتحرك العدواني الاسرائيلي ضد الفلسطينيين. وفي هذا الصدد تروي مجلة «تايم» الامريكية انه عندما كان وزير الخارجية الأمريكي باول على وشك المغادرة الى الشرق الأوسط في جولته الأخيرة، بعثت مجموعة من قيادات «الانجيليين» في مقدمتهم القس جيري فالويل برسالة الى الرئيس بوش تطالب الادارة الامريكية ان «توقف ضغوطها» على شارون للانسحاب من الضفة الغربية. وفي اليوم التالي ـ تقول «تايم» ـ ان كبار مساعدي الرئيس بوش هاتفوا فالويل لتطمينه بأن بوش يدعم شارون. هذه الرواية تفسر لنا لماذا تبقى القوات الاسرائيلية حتى الآن على الأرض الفلسطينية رغم نداءات الرئيس الامريكي الى شارون بسحبها. فكل نداء أصدره بوش علناً (لاسترضاء القادة العرب) كان يعقبه على الفور فيما يبدو مكالمة هاتفية غير معلنة الى الزعيم الاسرائيلي تؤكد له وقوف بوش الى جانبه. وتقول المجلة صراحة ان بوش ومعاونيه لا يستطيعون مخالفة أي توجيه يصدر اليهم من «الانجيليين». وبلغت الجرأة بجماعة «الانجيليين» انهم ذات مرة «حذروا» الرئيس بوش من اصدار أي تعليق ينتقد الحملة العسكرية الاسرائيلية ضد المدن الفلسطينية. وهكذا تتضح الصورة، فاليمين الاسرائيلي يبلغ قيادات التحالف اليهودي المسيحي في الولايات المتحدة بخطط التحرك الاسرائيلية، وما هو بالتالي مطلوب من واشنطن لتقديم الدعم اللازم لهذه الخطط على الأصعدة الدبلوماسية أو العسكرية أو التمويلية أو الاعلامية.. ومن ثم تمارس مجموعة التحالف الجديد نفوذها المتصاعد على ادارة بوش لتنفيذ ما هو مطلوب اسرائيلياً. وهكذا يتخذ الصراع العربي الاسرائيلي من وجهة النظر الاسرائيلية الامريكية المشتركة طبيعة دينية عقائدية يجسدها تحالف مسيحي يهودي يتوجه بعدائه ضد العرب توطئة لتوجهه صوب المسلمين أجمعين. إن الأمر يتطلب إذن مراجعة عربية اسلامية شاملة لطبيعة الصراع ليس على أساس المرجعية العقائدية فحسب، بل أيضاً على أساس الخطر الواقعي الذي يواجههم الآن بجبهة توراتية انجيلية.