بعد الحديث عن عقد مؤتمر جديد للسلام خلال المرحلة المقبلة، أصبح من الضروري دراسة السياسة الامريكية تجاه الشرق الأوسط، دراسة جديدة، تمهيداً للتأثير فيها ايجابياً لصالح قضايانا. وقد كان للموقف الامريكي المؤيد لشارون،، في حربه ضد الفلسطينيين، وفي اقتحامه الهمجي لمدن الضفة الغربية، وتدمير مخيم جنين، أسوأ الأثر في نفوس العرب، ولاسيما بعد وصف الاعمال العسكرية الاسرائيلية بأنها دفاع مشروع عن النفس، والنظر الى عمليات المقاومة للاحتلال على انها ارهاب غير مشروع، سواء على لسان الرئيس بوش، أو من جانب الكونجرس الامريكي الذي أصدر مؤخراً قرارين بهذا المعنى. ولاشك ان الكثيرين من العرب، لم يستفيقوا بعد من هول الصدمة، على الرغم من فك الحصار عن الرئيس عرفات وعن كنيسة المهد، وانسحاب اسرائيل من معظم اراضي السلطة الفلسطينية. فقد جاء هذا الموقف الجديد مفاجئاً وغاية في الغرابة، حتى انه قامت في أمريكا نفسها بعض المظاهرات الكبيرة المؤيدة للفلسطينيين، وان كانت بعض استطلاعات الرأي قد أظهرت ان اسرائيل مازالت تحظى بالعطف والتأييد من قبل أعداد كبيرة من الامريكيين. وليس من السهل سبر أغوار سياسة بوش الجديدة، نظراً لأن هناك العديد من العوامل المتشابكة التي تؤثر في هذه السياسة وتوجهها. إلا ان هناك اجماعاً على ان أحد أسباب ما حدث يرتبط بنشاط اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة. ولكن هذا اللوبي ليس وليد اليوم، بل انه قديم، وموغل في القدم، كما نعرف. ومع ذلك، فإن السياسة الامريكية لم تكن أبداً على هذه الدرجة من الانحياز الكامل. وعلى كل حال، فإن من المحتمل ان تكون أحداث الحادي عشر من سبتمبر والهجمات على واشنطن ونيويورك قد أثرت الى حد كبير في نظرة امريكا الى العرب والمسلمين، مما أدى الى تغيير مواقفها تجاههم، والى التوهم بأنها قد أصبحت مع شارون في خندق واحد ضد الارهاب! سياسة الوجهين غير ان علينا ألا نستبق الأحداث كثيرا، ويستحسن ان نرى ما ستكون عليه هذه المواقف لدى انعقاد مؤتمر السلام المقبل، في حالة انعقاده. وبعدها فقط يمكن اطلاق حكم بات وقاطع في المسألة، إذ ان هناك احتمالاً بأن يكون بوش قد بدأ بالضغط على العرب أولاً، لينتهي في المرحلة المقبلة بالضغط على اسرائيل تحقيقاً للتسوية السياسية. وهذا مجرد احتمال. ولكن حتى لو اعتدل الموقف الأمريكي واستعاد بعض توازنه، فإن بعض نتائجه الضارة مادياً ومعنوياً سوف تبقى ماثلة وقائمة الى زمن بعيد. وإذا أردنا ان نحلل دور أمريكا بموضوعية وحيادية، بعيداً عن الانفعال الناجم عن سياساتها الأخيرة، فإن علينا ان نفرق بين دورها في العالم ودورها في الشرق الأوسط. فعلى الصعيد الأول، لابد لنا ان نقر بأن أية دولة كبيرة ذات امكانات هائلة، غالبا ما تحاول الهيمنة والسيطرة والتدخل في شئون الدول الصغرى، والسعي لامتلاك الكلمة العليا واليد الطولى في اتخاذ القرار. وإذا حكمنا على الدور الامريكي في دول مثل سويسرا والسويد والنرويج والدنمارك وغيرها من الدول الصغيرة المزدهرة، يصعب ان نجد دليلاً على ان هذا الدور سلبي وهدام، فهي لم تقم، على قدر ما يبدو في الظاهر، بأي عمل لاضعاف هذه الدول أو تقويض مكانتها. ولا ننسى أيضاً ان الولايات المتحدة تقدم مساعدات اقتصادية ومالية وغذائية لكثير من الدول الفقيرة، وان كان هذا يتم في معظم الأحيان، بهدف الهيمنة السياسية. ومعنى هذا ان لهذه الدولة في العالم دوراً سلطوياً استغلالياً من جهة، ودوراً ايجابياً ظاهرياً من جهة أخرى. ولكن بالنسبة لنا نحن العرب، فإن الحال يختلف، ومن الصعب ان نصف الدور الأمريكي بأن له وجهاً بناء بسبب وجود مشكلة اسرائيل. وهذه المشكلة تعوق اقامة علاقات طبيعية خالية من الشوائب والحساسيات بين الولايات المتحدة والدول العربية. ولولا ذلك لاختلفت الامور اختلافاً جذرياً. ان لامريكا مصالح واسعة مع العرب، واهمها المصالح البترولية ولها مصالح اضيق مع اسرائيل، ومع ذلك فإنها تنحاز اليها انحيازاً واضحاً وهذا يعود الى سببين رئيسيين: أ ـ وجود لوبي صهيوني قوي يفرض تأثيره في السياسة الامريكية الخارجية ويوجهها لصالح اليهود، وللاسف، فإن اللوبي العربي والاسلامي لم يبلغ بعد درجة من النضج يستطيع معها ان يؤثر في السياسة الامريكية، وان كان بالفعل قد بدأ يتحرك بشكل افضل من ذي قبل. ب ـ ان امريكا تتعامل مع اسرائيل على اساس الافتراض بأنها دولة ديمقراطية، متناسية ان للديمقراطية معانى اوسع بكثير من المعنى السياسي الداخلي، فهي تتجاوزه الى افق يشمل العلاقات بين الدول والشعوب، ولاشك ان تصرفات اسرائيل العدوانية، واحتلالها اراضي الغير وممارستها ارهاب الدولة، يزيل عنها صفة الديمقراطية الحقيقية. ما هو المطلوب؟ والآن ماذا نفعل ازاء الانحياز الامريكي السافر لصالح اسرائيل؟ هل نقف مكتوفي الايدي لا نحرك ساكناً، ونعد هذا الوضع قضاء وقدراً، لا مناص ولا مفر منهما؟ ام هل نكتفي بالصراخ الاعلامي والعويل الدعائي والهجوم الكلامي، او بالبكاء والتباكي او بالرفض والاحتجاج؟ الامر يتطلب بالطبع اكثر من ذلك بكثير جداً، وقبل كل شيء آخر، علينا ان نلاحظ نقطة حساسة في منتهى الاهمية وهي ان امريكا مهما ايدت اسرائيل، فإن حرصها على مصلحتها الخاصة، تبقى اهم من اهتمامها بمصلحة الثانية، هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى، فإن الاولى تدعم الثانية دعما اضافياً يتجاوز حدود الدعم الذي تستلزمه مصالحها معها، وذلك كما اسلفنا بسبب نشاطات اللوبي الصهيوني وبتعبير آخر، فإن امريكا لاتساند اسرائيل ضمن السقف المعقول الذي يتناسب مع مقتضيات مصالحها وانما تتجاوز هذا السقف، وتنحاز لها انحيازاً اضافيا، يؤثر تأثيراً سلبياً في مصالحها هي بالذات مما يعني ان تأثير اللوبي الصهيوني في السياسة الامريكية يتم على حساب المصلحة الامريكية نفسها. وهذه هي الفجوة الحساسة التي يستطيع العرب اذا احسنوا التصرف ان ينفذوا منها وان يستغلوا التضارب بين المصلحتين الامريكية والاسرائيلية استغلالاً مناسباً لمصلحتهم ومن هنا فإن من الاهمية بمكان، تصميم سياسة عربية سليمة تقوم على اسس علمية موضوعية متحررة من العاطفية تجاه الولايات المتحدة، بهدف تليين مواقفها وتعديل اتجاهاتها، ومحاولة تحييدها نسبياً اذا كان هناك من سبيل الى ذلك، ومثل هذه السياسة يجب ان تتبنى الاعتدال الفعال والمرونة المجدية والحنكة الدبلوماسية المثمرة، بدلا من التطرف الكلامي والتصلب النظري اللذين لا يجديان فتيلاً ويمكن للعرب ان يتحركوا في اتجاهين: أ ـ الاتجاه الاول يتمثل بالتعامل مع امريكا تعاملاً جديداً بغير المعادلة التقليدية التي تجعل من مصلحتها ان تدعم اسرائيل على الدوام. ب ـ السعي للتأثير في سياستها بشكل يقابل التأثير الصهيوني، ولو بنسبة اقل. وهذا يقتضي تشكيل مجموعات عربية في الولايات المتحدة تقوم ببطء وبثبات، بمهمة اقناع الامريكيين بالتراجع عن تأييدهم غير المنطقي لاسرائيل وتقليصه الى الحد الذي تستلزمه المصالح الامريكية فقط، ولاشك ان التأثير في العقل الامريكي من خلال طرح فكرة «تأييد اسرائيل بقدر ما تقتضي المصلحة الامريكية لا المصلحة الصهيونية» يمكن ان يلاقي صدى عند المواطن الامريكي الذي يستطيع ان يسهم في رسم السياسة الامريكية، على المدى البعيد، طبعا، وليس بشكل آني. وقد بدأنا نشهد في الآونة الاخيرة ومنذ ازمة الاقتحام الاسرائيلي لاراضي الضفة الغربية، نشاطات غير معهودة للعرب والمسلمين الامريكيين، لصالح القضية العربية، مما يبشر بالخير. ـ كاتب سوري