بعيداً.. بعيداً.. بعيداً، هناك في الطرف الشمالي الغربي للقارة الأوروبية، في هولندا، وبالتحديد في مدينة روتردام كان الوداع المهيب، وداع حار غريب. أراه غريباً مع ان مساحة اللامعقول تنتشر وتتوغل شرقاً وغرباً.. شمالاً وجنوباً. ففي محاولة للهروب من ساحة المهد، حيث جرى التدشين الرسمي لـ «الترانسفير» بموافقة دامغة من السلطة الفلسطينية وبمباركة دولية عريضة، وفي سعي لا يتوقف للافلات من دائرة الاحباط الذي أراه يمد أذرعاً لا تحصى الى مسافات لامتناهية ليحكم الخناق حولنا، قررت ألا أتابع تفاصيل ما يحدث في فلسطين لبعض الوقت، والانشغال بأي أخبار أخرى لعلها تصرف الانتباه عن مشاهد الكوميديا السوداء في فلسطين. حاولت الهروب من دموع أهالي المبعدين قسراً عن أراضيهم التي كادوا يقضون من أجل ذرات ترابها لأجدني مشدوها الى دموع أخرى، هروب من الرمضاء الى النار، فرار من وداع الى وداع آخر بمشاهد مختلفة وخلفية مغايرة، الدموع هنا تتساقط من أجل بيم فورتاين. الجنازة حارة والميت..! فورتاين، وهو زعيم اليمين المتطرف بهولندا والذي تحول الى بطل أسطوري بعد اغتياله في حادثة هي الأولى من نوعها على مدى قرن كامل بهولندا، والأعنف في المنطقة بأكملها منذ اغتيال رئيس الوزراء السويدي أولف بالمة في عام 1986. حادثة الاغتيال تلقفتها قوى مختلفة كالعادة للهجوم على الاسلام واتهامه مسبقاً بالضلوع في اغتيال فورتاين الذي لم يتوقف يوماً عن التعرض للاسلام والمسلمين بكل الذم والتحقير، حتى انجلت الغمة وتكشفت الحقيقة ليتضح ان القاتل هولندي أبيض مسيحي يساري متطرف ينتمي الى احدى المنظمات البيئية.. لا يرتبط من قريب أو بعيد بالمسلمين أو حتى بالمهاجرين القادمين في الغالب من المستعمرات الهولندية السابقة وخاصة سورينام. والدافع وراء الاغتيال حالة من الغضب تملكت القاتل لتكرار هجوم فورتاين على جماعات مُربي الحيوانات لأجل الحصول على الفراء. ومثلما فعل الامريكيون بعد هجمات 11 سبتمبر، لم تحاول هولندا التوقف عند مقدمات الحادث والدروس المستخلصة منه، فقد غالى بيم فورتاين المتفاخر علناً بشذوذه الجنسي في هجومه على الاسلام، واصفاً المسلمين بأنهم نتاج حضارة متخلفة تتسم بالعنف! مع ان العنف أصبح يضرب بجذوره في التربة الأوروبية بعد سلسلة من الأحداث التي هزت مدناً أوروبية متعددة في الفترة الأخيرة. ويشهد على ذلك جي سكاربيك بالعاصمة البلجيكية بروكسل، كما تشهد عليه ضاحية باريسية ومدرسة المانية ومدينة سويسرية. والضحايا في بروكسل أسرة مغربية قتلها عجوز يميني متطرف، بينما كان عددهم في باريس ثمانية وفي المدرسة الألمانية ستة عشر و12 في المدينة السويسرية. ومما يدعو الى الدهشة خلال جنازة فورتاين تلك الدموع الغزيرة التي انسابت على وجوه عدد كبير من المهاجرين السود الذين لم يكف زعيم اليمين المتطرف الهولندي عن مهاجمتهم.. دموع وانتحاب وحزن هستيري شكلت ملامح صورة لا يمكن تفسيرها منطقياً.. وتزداد الغرابة عندما نعلم ان غالبية مودعي فورتاين من النساء مع انه كان شديد الهجوم على المرأة، وكان يراها عديمة الجدوى ولا مكان لها في أسواق العمل. ومن المفارقات الغريبة ان الاغتيال جاء بعد فترة قصيرة من تصريحات أكد فيها فورتاين انه سيعيش حتى يبلغ السابعة والثمانين، لكن النهاية جاءته مبكراً بنحو 33 عاماً، كما ان خليفته في رئاسة اليمين المتطرف هولندي أسود من المهاجرين القادمين من سورينام يدعى جواو فاريلا وضعه فورتاين بعده على قائمة للانتخابات التي حصلت على دعم كبير بعد حادثة الاغتيال وهي الحادثة التي جعلت من فورتاين متطرفاً أسطورياً في عالم الغرائب والعجائب. هكذا اختفى فورتاين الذي خص المسلمين بالقدر الأكبر من العداء، وتعهد بمنع أي مسلم من دخول هولندا لأنه يراها مكتملة العدد من دونهم. ولم يكن يدري انه هو الذي سيخلي مكانه حتى يشغله آخرون. من أين؟!.. لا أحد يدري!