بين عشاق الأمس وعشاق اليوم يصنع الحب تاريخه ويدوّن أحداثه، وحول هذه العاطفة المتأرجحة بين التوهج والخفوت تدور القصص وتروى الحكايات. وبين الماضي، والحاضر نبحر بحثاً عن هذه القصص كأننا نبحث بين ثناياها عن مواقع أقدام لنا أو آثار لخطى تركناها على الدرب. قبل أيام نقلت لنا الأخبار قصة ذلك الشاب البرتغالي الذي أدخل مواطنه بائع الزهور موسوعة «جينيس» للأرقام القياسية عندما طلب منه أن يصنع له باقة زهور كبيرة من 518 وردة حمراء ليهديها إلى صديقته كي تسامحه وتعود إليه بعد أن هجرها 518 يوماً. وتقول الاخبار إن 518 وردة حمراء لم تكفِ لاقناع الشابة ذات الثلاثة وعشرين ربيعاً بالعودة إلى صديقها الذي فوجيء بذلك معترفاً بأن السبب في قطع العلاقة كان «حماقة كبيرة» منه، وما أكثر حماقاتكم يا معشر العشاق الأعزاء! وإلاّ فماذا نسمي تصرف المواطن التايواني «تشين بينج» الذي علّق لافتة ضخمة بارتفاع 24 مترا على الطريق الذي يربط شمال تايوان بجنوبها كتب عليها «أحبك» وكانت المقصودة «لوهيوليان»، وما أدراكم من هي «لوهيوليان»؟ إنها نائبة رئيس تايوان البالغة من العمر 57 عاماً ولم تتزوج حتى الآن. ورغم أن اللافتة قد أزيلت من قبل وزير الداخلية لا لسبب إلاّ كونها تعيق حركة السير فإن صاحبنا لايزال مصراً على إعلان حبه وقد انتهى من نظم مئة قصيدة حب سيرسلها إليها في عيد ميلادها. ذلك ما تقوله الاخبار .. فماذا تقول الروايات؟ تقول الروايات إن الثلوج تساقطت ذات شتاء في قرطبة، ولم يكن ذلك مألوفاً في تلك المدينة الأندلسية. ومن شرفة قصر المعتمد بن عباد الشاعر والملك الذي طبقت شهرته الآفاق أطلت اعتماد الرميكية في خيلاء مبعثه ذلك الحب الطاغي الذي غمرها به ابن عباد، وهي تلك الجارية التي أعجب بها في لحظة تجل ظهرت فيها سرعة بديهتها على ضفاف نهر ذات مساء حضر فيه الشعر، فاشتراها وتزوجها ليهيم بها هياماً دفعه إلى التسمي باسمها وتغيير اسمه الذي يقال إنه كان «المتوكل» إلى «المعتمد» حتى لم يعد أحد يعرفه إلاّ بهذا الاسم. نظرت الرميكية إلى الثلج المتساقط فأعجبها منظره .. وما هي إلاّ لحظات حتى دخل عليها المعتمد ليجد الدموع تسيل على خديها والكآبة بادية على وجهها. فزع الملك الشاعر لمنظر زوجته الحبيبة وهي باكية وجزع، وطفق يسألها عن سبب بكائها ومبعث حزنها لتجيبه منتحبة: إنك لجبار طاغية غشوم. انظر الى ندف الثلوج البارقة اللينة العالقة بغصون الاشجار، وانت ايها الظالم لا يخطر ببالك ان توفّر لي هذا المنظر كل شتاء فتصحبني الى مكان يتساقط فيه الثلج! تمضي الرواية قائلة ان المعتمد سارع الى مسح دموع حبيبته الغالية وهو يقول: لا تحزني ايتها الحبيبة، ومنذ الساعة لك عليّ ان تري هذا المنظر الذي ادخل السرور على قلبك كل شتاء. ثم امر من فوره بزرع اشجار اللوز على جبال قرطبة حتى اذا نوّرت ازهاره بدت الاشجار وكأنها محملة بقطع الثلج الناصعة البياض فطابت نفس الحبيبة المدللة وقرّت عينها. وتقول الروايات ايضاً ان الرميكية غالت في دلالها لما رأت من حب المعتمد لها وتفانيه في ارضائها. رأت ذات يوم الناس يمشون في الطين فاشتهت نفسها ان تمشي فيه مثلهم. وأبدت رغبتها هذه للمعتمد الذي اراد ان يصنع لها طيناً يليق بقدميها فأمر بسحق المواد التي يصنع منها الطيب، واكثر في ذلك حتى ملأ به ساحة القصر، ثم صبّ عليه ماء الورد وأراق كميات هائلة من العطور، وأمر الجواري بعجن ذلك بأيديهن حتى اصبح كالطين، ثم دعا الزوجة الحبيبة المغناج لتخوض كما شاءت، فأخذت تلهو وتلعب في هذا المزيج العجيب مع جواريها، وتحقق لها ما اشتهت نفسها. ثم كان يوم غاضبها فيه المعتمد فأقسمت بالله انها لم تر منه خيراً قط، فقال لها معاتباً: ولا يوم الطين؟! فاستحيت واعتذرت. وتقول الروايات ان الوليد بن يزيد نظر الى جارية نصرانية من أهيأ الناس يقال لها «سفرى» فجن بها وجعل يراسلها وهي تأبى، حتى بلغه ان عيداً للنصارى قد قرب وانها ستخرج فيه، وكان في موضع العيد بستان حسن، وكان النساء يدخلنه، فصانع الوليد صاحب البستان ان يدخله فينظر اليها فتابعه، وحضر الوليد وقد تقشف وغيّر حلته، ودخلت «سفرى» البستان فجعلت تمشي حتى انتهت اليه، فقالت لصاحب البستان: من هذا؟ فقال: رجل مصاب. فجعلت تمازحه وتضاحكه حتى اشتفى من النظر اليها ومن حديثها، فقيل لها: ويلك، اتدرين من هذا الرجل؟ قالت: لا. فقيل لها: الوليد بن يزيد، وانما تقشف حتى ينظر اليك. فجنّت به بعد ذلك، وكانت عليه احرص منه عليها. وتقول الروايات ان شهرزاد كانت تسكت عن الكلام المباح كلما ادركها الصباح لتبقي شهريار مشدوداً الى حكايتها يترقب احداثها المشوقة حتى انتهت الليلة الواحدة بعد الألف لتنتهي معها معاناة بنات جنسها، ويتوقف مسلسل القتل الذي كانت تنتهي الليالي السابقة به، ويجف نهر الدماء التي سالت أو أسالتها الرواية الاكثر شهرة لتنسج لنا خيوط اسطورة ملك كان يتزوج كل ليلة عذراء ثم يقتلها اذا طلع النهار عليهما انتقاماً لنفسه من خيانة زوجته له، فلا تحول دون استمراره في هوايته تلك سوى حكاية من حكايات راوية ذكية اسمها «شهرزاد» كانت ابنة لوزير الملك الذي عجز عن ايجاد فتاة يتزوجها الملك فتطوعت للزواج منه كي تثنيه عن فعله هذا، وقد نجحت. ولا يتوقف سيل الروايات التي طرفاها هذان القطبان المتضادان تضاداً يصل احياناً الى اسكات صوت الحياة في احدهما او كليهما، المتجاذبان تجاذباً يصل احياناً الى التمازج والانصهار في بوتقة واحدة حتى لا يعود لأحدهما ان يحيا دون الاخر. وعلى هذا الوتر المشدود، وبين طرفيه المتضادين المتجاذبين يعزف الرواة ألحانهم ويصوغون لنا حكاياتهم، لنظل نحن مبهورين بما قالوا مشدودين لما لم يقولوا. وبين ثنايا ذلك تطل علينا الحقيقة من زاوية واحدة ويطل علينا الخيال من زوايا كثيرة.. ونجد انفسنا منساقين وراء الخيال اكثر من انقيادنا للحقيقة، لأننا ندرك ان الحقيقة تجعل اقدامنا تلامس الارض بينما تهوى نفوسنا التحليق في الفضاء.. ولعمري ان في ذلك من الميزات اضعاف ما فيه من العيوب. فليستمر الرواة في نسج رواياتهم وحياكة اثوابها الفضفاضة، ولننعم نحن بالخدر اللذيذ المحلق بنا في اجوائها الفسيحة الممتعة.