في عمودي الاسبوعي الذي اعده خصيصاً لصحيفة «همشهري» الايرانية اي «ابن البلد» وهي اكبر صحيفة ايرانية وزناً وواسعة الانتشار ، والمتميزة في وسطيتها وعقلانيتها وحرفيتها، كتبت في الاسبوع الماضي عن المفارقة العجيبة الحاصلة الان بين اجواء الرأي العام والنخبة في العالم العربي والاسلامي عموماً ونظيرتها في البلاد الايرانية، وجوهر ما سجلته في ذلك العمود هو التساؤل والاستغراب الذي يتردد لدى العديد من الاوساط العربية والاسلامية حول سر الحماس الذي تبديه النخب الايرانية المثقفة (لاسيما تلك المتصدرة لدعوات ضرورة ترسيخ المجتمع المدني في البلاد) لموضوع الحوار مع امريكا والتطبيع مع اداراتها الراهنة واعتبار ذلك من الفرص النادرة التي ينبغي ان لاتضيع!! في الوقت الذي تسود العالم العربي والاسلامي اجواء معادية للادارة الامريكية الحالية في الغالب (على حد زعمي على الاقل) بسبب انحيازها لشارون وعدم توازنها في علاقاتها الخارجية بين اصدقائها العرب وحليفتها الاستراتيجية اسرائيل. وخلصت الى القول: بأن من حق الرأي العام في بلادنا ان يسأل اذا كانت النخب العربية حتى الليبرالية منها والعلمانية بل وحتى القريبة من امريكا تضغط هذه الايام على حكوماتها لتعيد النظر في علاقاتها التقليدية مع الادارة الامريكية بما يتناسب أو يتوازن والموقف الامريكي الجاحد للصداقة العربية والاسلامية من جهة والمنحاز بشكل اعمى لاسرائيل من جهة ثانية، فمن اين جاءت النخب الايرانية المثقفة لاسيما تلك المنتمية «للمجتمع المدني» بهذا الحماس للعلاقة مع امريكا من جهة والتفاؤل المفرط من جهة ثانية بامكانية الحلول السحرية التي تنتظر ايران فيما لو سوّت مشكلة العلاقة مع واشنطن؟؟! مخاض صعب ان تتلقى الصحيفة اتصالات معترضة على التحليل وان ترى عكس ما أراه بخصوص وجود مثل هذه الفرصة المتاحة أو عدمها أمر طبيعي ولا اعتراض عليه. وهو ما ورد الى الصحيفة بكثافة، لكن ان يعترض البعض منهم، ومن بينهم من سجل وظيفته وقال انه يتصل من الخارجية الايرانية ليقول ما مضمونه: وهو انه كلما فكرنا في الاهتمام بمصالحنا القومية والوطنية يتحرك لوبي معين ينتمي الى العرب والعروبة ليدفعنا بغير الاتجاه الذي تتطلبه مصالحنا الوطنية والقومية!! فهذا ما اظن انه يستأهل التوقف عنده طويلاً في هذه الايام بالذات. فالساحة الايرانية تعيش هذه الايام مخاضاً صعباً وحساساً للغاية في وجدانها كما في عقلها كما في عاطفتها كما في دبلوماسيتها وسياستها الخارجية، في ظل التحول الكبير الحاصل من حولها والذي يتحرك بشكل سيال ومتسارع منذ الحادي عشر من سبتمبر. فالنظام الايراني الاسلامي، حتى وان تحول الى «دولة» ولم يعد «ثورة» كما تجادل بعض النخب الايرانية المثقفة المنضوية تحت راية الاصلاح والتغيير، سيظل مادام رافعاً لواء الاسلام ويستمد مشروعيته من مؤسسة الراحل الامام الخميني، سيظل دولة لا يمكن لها مطلقا الاعتراف بالكيان الاسرائيلي المغتصب للارض والحقوق الفلسطينية، وبالتالي فإن الادارات الامريكية المتعاقبة ستظل تعاديه وتعمل للاطاحة به ما تسنى لها ذلك دون مواربة. ان هذا العامل وحده اضافة الى عوامل اخرى عديدة تتجاور الرابط الديني والايديولوجي والعقيدي، منها موقع ايران الجيوسياسي والجيو استراتيجي، يجعل منها بالضرورة دولة شرق أوسطية «اسلامية» التوجه «عربية» الاهتمام والهموم رغبت في ذلك أم لم ترغب، دون ان يعني ذلك بالضرورة اهمال العوامل والعناصر الاخرى التي تشكل بمجموعها ما يسمى بالمصالح الوطنية أو القومية الايرانية. حالة جدلية ولكن من جهة اخرى، ولما كانت ايران النظام والثورة والمجتمع بنخبه وجماهيره تعيش عملية تطور وتحول فكري وسياسي عقلاني في غاية الحيوية والسيولة والشفافية فانها من الطبيعي ان تتعامل مع أية مقولة أيا كانت درجة حصانتها وثباتها بنوع من القراءة النقدية المشروعة. ان هذا الحراك الدائر بين الثابت والمتحول في عقل المواطن الايراني كما في عقل نخبه المثقفة الحاكمة منها والمنضوية تحت لواء المجتمع المدني هو الذي يجعل المشهد الايراني السياسي والثقافي يعيش تلك الحالة الجدلية التي غالبا ما نقرأها في التصريحات او المناقشات اليومية التي تعج بها الجامعات والمنابر الاعلامية الايرانية المتعددة. وما جاء من اعتراض أو نقد لما أوردته في مقالتي الاسبوعية في الصحافة الايرانية انما يأتي في هذا السياق. فثمة من يقول هنا وبصوت عال في هذه الايام انه «مادام العرب والفلسطينيون بشكل خاص قد قرروا التفاوض مع الكيان الاسرائيلي من أجل وضع حد للصراع بطريقة سلمية فهل من المصلحة الوطنية والقومية بمكان ان نستمر نحن بتشجيع أو تحميس الفلسطينيين على غير ذلك انطلاقا من مواقفنا العقيدية الثابتة أيا كانت مشروعيتها»؟؟ وهو ما ورد بالحرف الواحد على لسان محسن ميردامادي رئيس لجنة الشئون الخارجية والامن في البرلمان الايراني مثلا. هذا ناهيك عن اولئك الذين يذهبون الى أبعد من ذلك من جماعات الليبراليين والعلمانيين. ايا تكن صحة تحليلات هؤلاء وايا يكن صواب تقديرهم للموقف السياسي وموازين القوى التي تحيط بايران فان الذي يجب ان يعرفوه جيدا وألا ينسوه مطلقاً هو ان ايران هذه جمهورية كانت ام ملكية، اسلامية كانت ام ليبرالية او علمانية، فهي حرة في اختيار النظام الذي تشاء لكنها ستظل جزءاً لا يتجزأ من خريطة الشرق الاوسط الاسلامية والعربية وان رسمها محكوك حكاً في الشرق الاوسط كما يقول الكاتب والصحفي الايراني الخبير بالشئون العربية وشئون بلاده محمود شمس الواعظين خلافاً لما يذهب اليه البعض من القوميين الجدد ممن يريدون رسم الخارطة الايرانية على ضفاف بحر الشمال الانجليزي او فيما وراء البحار مماساً للحدود الامريكية ويطلقون مواصفات «الدولة العالمية» على ايران ظناً منهم ان ذلك سيجنبهم آلام او معاناة جيرانهم الشرق اوسطيين من العرب وغيرهم من دول العالم الثالث النامية. ان تجربة تركيا الفتاة والقبعة الاوروبية لا تزال ماثلة امامنا جميعاً ومن يريد خدمة مصالح بلاده الوطنية والقومية حقاً لا يمكن له ان يخرج من جلده ويغادر اقليمه ليحلم بالعيش في جزيرة «فاضلة» باحثاً عن اوهام «وطن قومي ضائع». ان نكون مواكبين للعالم في تحولاته نعم، وان نكون عقلايين في انتخاب سياساتنا وتكتيكاتنا في كل مرحلة نعم، وان نغتنم الفرص الذهبية قبل ان تضيع نعم وان نجمع بين العقل والعاطفة في حكمة التدبير نعم، لكن ان نغادر اصالتنا او نغادر مبادئنا او نغادر جيراننا او نغادر ثوابتنا او نغادر عزتنا فلا وألف لا. وهذا ما فعله الرئيس محمد خاتمي حتى الآن على سبيل المثال لا الحصر وهو يخاطب وزيرة خارجية اليابان التي زارت ايران مؤخراً حاملة العصا الامريكية بيد والجزرة بيد اخرى عندما قال لها: نحن امة لا تقبل التهديد ولا الوعيد ونعرف تماماً متى وكيف نحدد سياساتنا وما دامت دولة الارهاب المنظم تلقى الدعم الاعمى فلن يكون هناك استقرار ولا سلام لا في المنطقة ولا في العالم. قد يكون هذا شكل من اشكال اللوبي العربي ايضاً بالنسبة للقوميين الجدد على خاتمي ان يفتخر به بالطبع. ـ كاتب ومحلل سياسي