لننظر في الخطوط العريضة للبرنامج الاستثنائي للأيام المقبلة الذي أعده الرئيس عرفات لنفسه: ـ حل قيادة التنظيم المظلي لفصائل المقاومة الفلسطينية (فتح وحماس والجهاد والشعبية والديمقراطية.. الخ) الذي يطلق عليه «اللجنة العليا للقوى الوطنية والاسلامية». ـ اعتقال قيادات الصف الاول للفصائل التي تؤيد العمليات الاستشهادية. ـ فرض الاقامة الجبرية على الشيخ احمد ياسين زعيم «حماس». ـ دعوة النقابات والمؤسسات والاتحادات والمثقفين والنخب الى ادانة العمليات الاستشهادية لعزل فصائل المقاومة الرئيسية في اوساط الجمهور الفلسطيني. ماذا يعني هذا؟ الرئيس عرفات نفسه وفر علينا عناء البحث عن اجابة.. فقد اعلن على العالم ـ بكلمات قوية غير قابلة للتأويل ـ انه انضم الى الحملة العالمية «لمكافحة الارهاب» التي تقودها الولايات المتحدة اجل تلا عرفات عبر التلفزيون الفلسطيني بيانا مكتوباً قال فيه ما يلي: «انني بصفتي رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية اكرر التزامي ومشاركتي الولايات المتحدة الامريكية والمجتمع الدولي في حربهما ضد الارهاب». لكن هذه الكلمات، رغم قوتها الصريحة وصراحتها القوية تفرز مسألتين خطيرتين بشأن مستقبل الوضع الفلسطيني الفوري لم يتعرض عرفات لأي منهما.. ألا وهما: أولاً: ما هو المنهج البديل الذي يقترحه زعيم منظمة «التحرير» للتصدي للوجود الاحتلالي الاسرائيلي على الارض الفلسطينية خاصة اذا اخذنا في الاعتبار رؤية اليمين الاسرائيلي الحاكم الى الضفة الغربية باعتبار انها ارض الميعاد من منظور «توراتي»؟ ثانياً: اذا كان الرئيس الفلسطيني يعتزم ـ كما بات واضحاً ـ دخول مواجهة فاصلة مع فصائل المقاومة المسلحة، ألا تنطوي خطوته على احتمال اندلاع حرب اهلية فلسطينية؟ خلال ايام فقط من خروجه من وضع الحصار الذي فرضته اسرائيل عليه يبدو الرئيس الفلسطيني ـ من خلال اقواله وافعاله ـ وكأنه اعتنق منهجا انقلابياً لكن اذا كان الامر يبدو فجائياً فإنه في الحقيقة ليس كذلك فالقرائن التي يتوالى ظهورها يومياً تفيد بأن التغيير الذي طرأ على مسلك الرئيس عرفات ناتج عن تفاهم مع الادارة الامريكية تبلور خلال المرحلة الاخيرة للحصار بمشاركة اسرائيل وأطراف عربية. احدث هذه القرائن ما ورد في مقالة تحليلية في «نيويورك تايمز» للكاتب الصحفي الامريكي وليام بفاف يتحدث فيها عن معادلة تنطوي على تعهدات من اطراف عربية (بموافقة فلسطينية) مقابل تعهدات امريكية. يقول الكاتب وليام بفاف ان اطرافاً عربية تعهدت للرئيس بوش بأن السلطة الفلسطينية سوف تكرس نفسها لوقف «العنف الفلسطيني» تماماً بينما تعهد الرئيس الامريكي من جانبه بوقف العمليات العسكرية الاسرائيلية ضد الفلسطينيين من ناحية وتجميد عمليات بناء المستوطنات من ناحية اخرى. ولكن الكاتب الامريكي يتساءل عما اذا كان بوش يتوافر لديه استعداد ـ او حتى مجرد رغبة ـ للجم شارون.. ويقول ان اغلب الظن ان عنصر المعادلة الخاص بالجانب العربي سوف ينفذ فتحل حالة هدوء شامل في الاراضي الفلسطينية سوف يستغلها شارون حتماً لمواصلة اصطياد واغتيال قادة وكوادر المقاومة الفلسطينية من ناحية وتسريع عمليات التوسع في بناء المستوطنات من ناحية اخرى فالاستيلاء الاسرائيلي على ارض الضفة باسم «الوعد الالهي» هو المرتكز الأساسي للبرنامج السياسي لليمين الاسرائيلي. ومما يعزز من هذا الخط التحليلي ان الرئيس الفلسطيني بينما يعلن حظر العمليات الاستشهادية فإنه يحجم عن تقديم اسلوب نضالي بديل، انه يدعو قوات الأمن الفلسطينية الى مواجهة ومنع اي عمليات «ارهابية» للتعدي على المدنيين الاسرائيليين في اي جهة فلسطينية كانت... لكنه يتوقف عند هذا الحد فلا يدعو فصائل المقاومة الى شن عمليات هجومية مسلحة ضد عسكريين اسرائيليين او مواقع عسكرية اسرائيلية فالحملة العالمية الامريكية «لمكافحة الارهاب» التي اعلن الرئيس الفلسطيني في بيانه الانضمام اليها تصنف العمليات الفلسطينية حتى ضد أهداف عسكرية كضرب من الارهاب. خطر اندلاع حرب اهلية فلسطينية يبقى ماثلاً اذن. ففصائل المقاومة المسلحة لن تقبل بالقاء سلاحها لتسمح لاسرائيل بتكريس الاحتلال وتقويته بالتالي فإن صدامها مع قوات السلطة الفلسطينية سيكون حتمياً. وهذه هي الكارثة العظمى بعينها.