بعد ربع قرن من عذاب السجون، ذهبوا الى نلسون مانديلا يفاوضونه. كانت سنوات السجن قد تركت اثارها على الرجل، وكان العرض مغريا.. الإفراج فورا عنه مقابل اعلان بسيط يدعو فيه شعب جنوب افريقيا الى وقف حربه ضد النظام العنصري لتبدأ المفاوضات بعد ذلك من أجل تسوية مقبولة. وبهدوء وحسم قال الرجل كلمة واحدة: لا. فالمقاومة ستستمر طالما بقي النظام العنصري ومهما كانت التضحيات. وبقي مانديلا في سجنه، وبقيت المقاومة المشتعلة للعنصرية، وبعد عامين ونصف العام كانت أبواب السجن تفتح ومانديلا يخرج من زنزانته منتصرا، والنظام العنصري يسقط، والمواطنون السود يأخذون حقوقهم كاملة، والانتخابات تجري لتصعد بمانديلا الى رئاسة الوطن الذي تحرر. لم يكن مانديلا يخترع شيئا جديدا فهذه هي القاعدة الأساسية في علم المقاومة.. ألا تسكت البنادق في يد المقاومين حتى تفرض كلمتها، وبدون أن يعني ذلك اغلاق سبل التفاوض، بل اليقين من أن نتيجة التفاوض تتحقق على الأرض، وبمقدار النجاح الذي تحققه المقاومة، والخسائر التي يتكبدها العدو نستطيع فرض شروطنا.. وبعدها فقط يمكن لبنادق المقاومة أن تسكت. وهذا هو جوهر الموقف الذي يواجه ياسر عرفات والسلطة الفلسطينية وأطراف المقاومة الوطنية في فلسطين، وفي ظروف أشد قسوة وتعقيدا فجوهر الموقف هو السؤال الكبير: هل تستمر المقاومة حتى تتحقق الأهداف الوطنية أم تتوقف انتصارا لتسوية يجري الحديث عنها منذ أكثر من عشر سنوات دون أن تحقق تقدما؟ ولا شك أن الظروف الآن تختلف، والتحالف الأمريكي - الإسرائيلي لم يكن يوما بمثل قوته اليوم، والنظام العربي لم يكن يوما بمثل ضعفه اليوم، وماتحمله الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال الإسرائيلي ومااقترفه من جرائم نازية بشعة يفوق الاحتمال. ولكن السؤال يبقى: هل من سبيل الا استمرار المقاومة؟ نوجه السؤال وأمامنا نذر سيئة.. فعرفات المحاصر يحاكم المحاصرين معه ثم يسلمهم لسجن يحرسه الأمريكان والانجليز! وعرفات بعد فك حصاره يوافق على اتفاق انهاء حصار كنيسة المهد الذي يتضمن نفي 13 مقاتلا فلسطينيا الى الخارج، واحتجاز 26 في سجون غزة وهو مايعني منح الشرعية لسياسة اسرائيل في الابعاد القسرى الذي يتناقض مع كل المواثيق الدولية وعرفات بعد العملية الاستشهادية قرب تل أبيب يوجه بيانا يدين فيه هذه العمليات التي يصفها بأنها (ارهابية) ويطالب قوات الأمن الفلسطينية بالتصدي لها، ثم يكتشف انه يتحدث عن قوات أمن تمت تصفيتها اثناء العدوان النازي الشاروني فيطالب بمساعدته في اعادة تكوين هذه القوات.. وهو ماستفعله الولايات المتحدة، وبشروطها!! إن أسوأ مايمكن أن يحدث للنضال الفلسطيني الآن أن يتم اسقاط خيار المقاومة. وأن نخضع للابتزاز الأمريكي الذي يساوي بينها وبين الارهاب. قد يكون هناك خلاف بين فصائل المقاومة حول نطاق هذه العمليات وهل تكون داخل الضفة وغزة فقط أم تمتد لتضرب في عمق إسرائيل؟ وقد يكون هناك خلاف حول اقتصار العمليات على العسكريين الإسرائيليين أم امتدادها لتشمل المدنيين انتقاما لأرواح المئات من الأطفال والنساء والمدنيين الفلسطينيين الذين استشهدوا على يد القوات الإسرائيلية التي لم تعرف في عدوانها أي التزام بمواثيق أو قوانين أو أخلاقيات؟ هذه خلافات مشروعة، وكان ينبغي حلها بالحوار المسئول بين كل الفصائل التي كان ينبغي ان تتشارك في المسئولية كما تشاركت في التضحيات، لولا الاخطاء التي منعت تحويل الجبهة الوطنية التي أفرزتها الانتفاضة الى حكومة ائتلافية تجسد الإرادة الفلسطينية تجسيدا حقيقيا. ولو حدث ذلك لالتزم الجميع بأهداف محددة للانتفاضة، وبقيادة موحدة توجه كل فصائل المقاومة وتنسق كل الجهود، وتحدد المسموح والممنوع في حركة النضال المشروع. لكن هذا لم يحدث، وبقي الانقسام في التنظيم، والخلاف في الرؤى. ورغم أن محنة العدوان الاسرائيلي الأمريكي وحدت المقاتلين في جنين وغيرها وهم يقاومون في أصعب الظروف، فإن تلك الوحدة يجري تبديدها مرة أخرى، وبدلا من ترجمتها الى توحيد لفصائل المقاومة أو تنسيق على مستوى عال بينها - تبدو احتمالات الصدام بين هذه الفصائل أقوى من أي وقت اخر بعد تسليم قيادات الجبهة الشعبية ومناضليها الى سجانين أمريكان وانجليز، وبعد الموافقة على ترحيل المناضلين المحاصرين في كنيسة المهد، وبعد ادانة عرفات لـ (الارهاب) الفلسطيني، وبعد التعليمات لأجهزة الأمن التي تتم اعادة تشكيلها تحت الاشراف الأمريكي بالتصدي لها. والكارثة أن هذه التراجعات تبدو طريقا بلا نهاية في ظل عملية الابتزاز الأمريكية الاسرائيلية التي تجري مع عرفات والسلطة الفلسطينية، وفي ظل الضغوط المتزايدة التي تمارس ضد الأنظمة العربية، وفي ظل مخطط عام لم يكن ماتم من مذابح للفلسطينيين الا المرحلة الأولى منه. الآن يبدو المخطط الأمريكي - الإسرائيلي واضحا بصورة لا تترك مكانا لأوهام انتهى مفعولها عن سلام الشجعان أو عدالة الراعي الأمريكي، أو حرصه على صداقة الأنظمة العربية الحليفة أو تمسكه بالديموقراطية وحقوق الإنسان. المطلوب الآن شئ واحد: اعتراف عربي وفلسطيني بالهزيمة الكاملة والاستسلام الكامل للتحالف الأمريكي - الإسرائيلي. وبعدها تتم ترجمة هذا الاعتراف على الأرض. في فلسطين.. بانهاء الانتفاضة واجتثاث المقاومة التي اصبحت عند أمريكا هي (الارهاب) بالتخلص من السلطة الفلسطينية بصورتها الراهنة التي مازالت تحمل أحلاما مستحيلة عن العودة والقدس والدولة الحقيقية، واقامة سلطة جديدة يقف سقف تطلعاتها عند اقامة (محمية) فلسطينية تتحكم واشنطن وتل أبيب في كل شئ فيها. وإذا كان هناك خلاف حول مصير عرفات بين شارون وبوش كما قيل، فإنه خلاف في التوقيت لا أكثر أو أقل. فشارون يرى ازاحة عرفات الآن، وبوش يرى انه مازالت مهام يمكن لعرفات ان يؤديها قبل رحيله أو بقائه كسلطة رمزية تعطي المشروعية لقرارات تتخذها سلطة فعلية من قيادات أخرى تبدو واشنطن متأكدة من استعدادها لتحمل المسئولية، ومتأكدة أكثر من قبولها بالحل الأمريكي - الإسرائيلي. الأمر بالنسبة لأمريكا، لم يعد يتعلق بمصير عرفات بل ترتيب الاوضاع بعده. فقرار ازاحة عرفات تم اتخاذه بعد كامب ديفيد الثانية، عندما عاد عرفات عن موافقة مبدئية كان قد أبداها على المقترحات الامريكية - الاسرائيلية. ثم جاءت الأحداث بعد ذلك لتؤكد القرار الأمريكي.. من الانتفاضة الى مجيء بوش وشارون وتحالفهما، ثم أحداث 11 سبتمبر وعملية افغانستان ثم قرار أفغنة العالم العربي الذي بدأ تطبيقه في فلسطين. البحث الآن في التفاصيل.. والحديث الرسمي الأمريكي والإسرائيلي يدور حول تغييرات عميقة في السلطة الفلسطينية، وتوحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية في جهاز يرأسه شخص واحد، تحت اشراف المخابرات الأمريكية، واقامة جهاز مالي خاضع للمراقبة الأمريكية - الاسرائيلية حتى لا تستخدم الأموال في تمويل العمليات الفدائية!! والشروط تمتد لتحدد شكل (المحمية) الفلسطينية التي تنوي أمريكا واسرائيل اقامتها في التسوية النهائية الموعودة، حيث يقول المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض انها لابد أن تقوم على (الشفافية والديمقراطية واقتصاد السوق)!! وعربيا.. فإن حالة الضعف التي يمر بها العرب لابد ان تتم ترجمتها الى هزيمة كاملة واستسلام كامل تتم من خلاله اعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة وفرض الخريطة الأمريكية الجديدة لها، وانهاء كل مقاومة للهيمنة الأمريكية والغطرسة الإسرائيلية. واذا كانت أحداث 11 سبتمبر قد وفرت فرصة هائلة لأمريكا لوضع مخططاتها في المنطقة موضع التنفيذ، فإن الأخطر هو أن يتم ذلك من خلال (زلة اللسان) الشهيرة للرئيس الأمريكي التي أعلن فيها (الحرب الصليبية) ضد ماأسماه الارهاب، والتي تجري ترجمتها الآن الى حرب صليبية ضد العرب! فبعد العدوان النازي على الشعب الفلسطيني بمشاركة أمريكية كاملة، يتم الآن الاعداد لفرض الحل الإسرائيلي في فلسطين، وتجري الاستعدادات لضربة أمريكية للعراق، ويتم توسيع (محور الشر) الذي أعلنه الرئيس الأمريكي هدفا لعملياته ليضم سوريا وليبيا بدعوى انهما تسعيان لامتلاك أسلحة كيماوية وتطوير برامج نووية، ويتم الضغط على السعودية ودول الخليج بدعوى تمويل المنظمات الفلسطينية (الارهابية!!) وتمارس ضغوطاً اقتصادية ضد مصر.. وفي اطار ذلك تتم الدعوة من واشنطن لمؤتمر جديد للسلام في الصيف المقبل.. هو في الأساس اقتراح من شارون لكي يكون الترجمة السياسية لما حققته الدبابات الإسرائيلية والطائرات الأمريكية على أرض فلسطين، ولكي يفرض مرجعية جديدة تنسف قرارات الشرعية الدولية وتحرر إسرائيل من أي التزامات سابقة، وتنتزع من الفلسطينيين والعرب تنازلات جديدة. والغريب أن تعلن بعض الأطراف العربية انها ذاهبة الى المؤتمر دون أن تعرف عنه شيئا الا انه قرار أمريكي! والأغرب أن تتم هذه الموافقة بينما الموقف الأمريكي يؤكد تأييده بل ومشاركته - في العدوان على الشعب الفلسطيني، وينشر تهديداته لسوريا وليبيا والعراق، ويحمل الفلسطينيين مسئولية ما حدث لهم من مذابح، ويطالب العرب بأن يحاربوا الارهاب(!!) الفلسطيني.. ثم ولا كلمة عن الاحتلال الإسرائيلي بل قتال حتى النهاية من أجل منع أي ادانة لإسرائيل، ورفض التحقيق في جرائمها النازية في (جنين) وغيرها، واستفزاز للعالم كله حين يصف الرئيس الأمريكي بكل صلافة وحماقة السفاح شارون بأنه (رجل سلام)! لقد أعلنت الدول العربية في قمة بيروت مبادرة للسلام قدمت فيها كل ما يمكن من تنازلات، فكانت النتيجة ان داستها الدبابات الإسرائيلية بالعدوان الهمجي على الشعب الفلسطيني بعد ساعات، وكانت الكارثة في هذه المشاركة الأمريكية في العدوان، ثم هذه المحاولة الأمريكية لترجمة العدوان الى نتائج سياسية يقر فيها العرب بالهزيمة ويدفعون الثمن مزيدا من التنازلات وتلقى فيه الأنظمة مزيدا من المهانة! ـ وليس الفلسطينيون وحدهم هم المطالبون الآن ـ وأكثر من أي وقت مضى ـ بالانحياز لخيار المقاومة المشروعة والالتفاف حولها.. بل العرب جميعا مطالبون بالخيار نفسه. العرب جميعا مطالبون بموقف يرفض اتهامهم بالارهاب الذي هو صناعة اسرائيلية وأمريكية، ويرفض اعتبار المقاومة المشروعة للاحتلال الاسرائيلي ارهابا، ويرفض انهاء المقاومة قبل تحرير الأرض وانهاء الاحتلال، ويعتبر دعمها واجبا وطنيا لا يمكن التخلي عنه مهما كانت الضغوط الأمريكية. والعرب جميعا مطالبون بموقف يرفض مؤتمرا يريد تبرئة شارون من جريمته وتبرئة بوش من مشاركته في الجريمة، واعادة الشريك الأمريكي في العدوان راعيا للسلام لم ولن يتحقق بهذه الطريقة، ونسف قرارات الشرعية الدولية وتخليص إسرائيل وامريكا من التزاماتهما السابقة، والدخول في مفاوضات عبثية جديدة تستمر سنوات ويستمر معها الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية. والعرب جميعا مطالبون بموقف يرفض هذه الحماقة الأمريكية التي تصر على اشعال الحرب (الصليبية) ضد العرب، ويؤكد لها أن هذه الحماقة سوف تكون المصالح الأمريكية في المنطقة أول ضحاياها. العرب مطالبون بموقف يؤكد انهم ليسوا دعاة حرب ولا أنصار ارهاب، ولكنهم لن يرضخوا لشروط السلام الاسرائيلي، ولن يقبلوا حالة الاذعان المطلوبة لكي توضع مخططات واشنطن موضع التطبيق. العرب مطالبون بـ (المقاومة).. والا فإن القادم أسوأ بكثير!! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» ـ مصر