ما زال العرب يدينون، ويأملون، ويرغبون، وغير هذا لا يوجد، وغير صيغ بالتمني ان لا يحدث هذا .. او يحدث ذلك لا شيء من فعل اخر، واذا ما صعد العرب من لهجتهم التهديدية الى اقصاها فانها لا تخرج عن اطر الادانة والاستهجان، ووصف شارون بالارهابي المجنون الذي يريد جر المنطقة الى الهاوية .. وغير هذا لا يوجد. المتأمل في حسبة الخسائر والارباح، التقدمات والتراجعات، ما تم كسبه وما تم خسرانه منذ بداية الحصار والعمليات اللاإنسانية لجيش الصهاينة فوق الاراضي المحتلة وحتى اليوم وغدا ـ بعد غزو غزة طبعا ـ لن يجد فيما تفعله السياسة العربية ودبلوماسيتها شيئا فاعلا على ارضية الواقع، فأمريكا اذا ما رضيت على عرفات قليلا بعد خطابه بوقف اعمال المقاومة، واذا ما اعتبرت انهاء ازمة كنيسة المهد هو نجاح اخر في المنطقة الذي يمهد لايام مفاوضات وسلام، فان امريكا لا تفرح لان ازمة المحاصرين حلت بعد عناء اكثر من شهر بداخلها، ولكن تفرح لان شارون حقق مبتغاه من هذا الحصار اولا واخيرا، وان كل ما تم الاتفاق على تنفيذه ورعايته، ووضع خيمة الامان الامريكية لدفعه الى التحقق قد تحقق. حل ازمة كنيسة المهد في معدل حسبة المكاسب والخسائر، هو طرد مجموعة من المناضلين من بلادهم التي يناضلون من اجل تحريرها، ومن أجل جلاء الاستعمار عنها، فهم في النهاية ليسوا مجرمين، غير الثمانية الذين تم قنصهم بالرصاص من نوافذ الكنيسة .. وهكذا حينما ترحب امريكا بانفراج ازمة المهد، نجد انفسنا وحدنا الذين نخسر في هذا الترحيب، وهكذا بقية الامور التي جرت والتي تجري والتي ربما تبدأ اليوم ايضا. الان يعلن الامن الاسرائيلي بمعدل مرة او مرتين او ثلاث كل يوم على العالم انه تمكن من العثور على مخازن ومصانع تصنيع متفجرات، عثر على بنادق مخبأة، واحبط عملية كادت ان تبدأ هنا، واخرى يتم التجهيز لها هناك، ويتفنن الاعلام العسكري الصهيوني في وضع هذه الضبطيات في بند اعمال ارهابية امام عين العالم ليرى هذا العالم كم هو محق هذا الجيش الذي يهشم جماجم الرضع في اسرتهم وفي محاجر امهاتهم وبطونهن، في كل غي يفعله! وما زال العرب يدينون، ويأملون، ويرغبون.. في حساب الربح والخسارة، يقنع العالم بالاساليب الحديثة والقديمة ان ما تم من قبل امريكا في منطقة الشرق الاوسط هو جهد كبير من اجل احلال السلام، وشيئاً فشيئاً يقنع العالم ان العرب هم سبب ازمته، بدءاً من الانظمة العربية التي تدعم نضال الفلسطينيين «المجرم» من وجهتي النظر الامريكية والاسرائيلية، وانتهاء بغوغائية شعوبه، وراديكالية ايديولوجيته، وبهذا نخرج في الصورة العالمية «مشبوهين» بل متورطين من رؤوسنا وحتى اقدامنا في طين الجريمة ضد شعب يريد السلام هو الشعب الاسرائيلي! ورغم كل هذا الذي ينهال علينا اليوم ندين ونأمل ونرغب .. ولغاية ان تتحقق امانينا يكون اصحاب الافعال قد اكملوا فعلهم، واصحاب الاقوال ما زالوا في سوق «عكاظ» يخطبون الى ما لا نهاية. في حسبة الربح والخسارة على حافة النضال، ما حصل هو ليس المشهد مكررا ومنقولا من افغانستان، ولكنها «تخريجة» جديدة له .. هناك قتل، هناك تكسير رؤوس واطراف، هناك اعتقالات وترحيل، ومطاردات مستمرة، وهناك ايضا ما ينتظر من اعمال في تغيير القيادة. فماذا تبقى اذن؟ غزة في الطريق الى الموت!