من الشائك أن ندرك حدود الصلة مع الكلمات وبروزها فجأة حين نهمّ بالقراءة، وكلّما هيّأنا ذواتنا للمهمة «المعذبة» والعذبة في آن، نقف في حضور الكاتب، الذي يقفز من بين الجمل والحروف مُزيّناً بمجد الكلام، واصفاً في رونقٍ «أناه» الكاتبة، وشكله التعبيري، فيما هو مختفٍ خلف تحصيناته اللغوية. ولست أدري لأي أمرٍ تحضر إلى ذهني صورة التلميذ فيّ كأنها نسخة حيّة من صورة الكاتب في الابتسامة والإشارات والحديث الذي يسير الهوينى. أراه كما أراني صغيراً، يقرأ، وإذا كسُل جاءه العقاب، ففي القراءة الخطأ ممنوع، وجماليتها أنها تشعرك بالزهو حين يتيسّر لك امتلاك أسرارها ومعانيها. وفي القراءة، تكمن «الصعوبة» بأنها ليست مجرّد مرور عابر ومتتالٍ على الصفحات، وليس المرء المتصفّح للكتاب «ضيف شرف» على النص يلقي عليه التحية والسلام، فالكتابة تريد أن تقول شيئاً، ويتحقق لها ذلك متى أنجزت سبر أغواره وجعلته كياناً حقيقياً، يمكن للناظر إليه أن يلمسه بروحه ويشهده بحواسه. أي أن يراه بما يجتاز المرئي ليطوف في اللامرئي. هكذا تصبح القراءة رؤية كالكتابة، ويغدو القاريء رائياً مثل الكاتب. يتمثل الأول روح الثاني في نصّه، ويدلق ما استحصل منه في وعاء نفسه، بحيث يبعث الأمر التباساً لدى القاريء، فيظن انه من كتب قبلاً النص ذاته. إنها القراءة من داخل النص، تتذوق النص ولا تلتهمه، تدركه ولا تضيعه بجهلها له. وما يستحثّنا للقراءة أمران، الأول: إننا نقبل نحو الكلمات إقبالا فطرياً باعتبارها باباً لنا إلى المعرفة، بعضنا يسمّي هذا الإقبال فضولاً وبعضنا الآخر يسمّيه فضيلة. والبديهي اننا جميعنا نرى إليه على انه سبيل هدي للإنسان، وقد جعله الله سبحانه وتعالى له دون سائر الخلق. والإقبال على الكلمات موجود بالفطرة .. إنه شيء سابق على المعرفة المكتسبة التي نتلقاها عادة في منازلنا من أهلنا، ومن اساتذتنا في المدارس والمعاهد والجامعات ، ولأنه كذلك فهو يتفاوت بين قاريء وآخر. وكلما كان السائر في النص شغوفاً بما يقرأ مقبلاً نحوه بطيب خاطر، عارفاً مسالك الكلمات إلى المعنى سمّيناه قارئاً جيداً. وأما الأمر الثاني، فيتطلب إغراءً ما يأتينا من داخل النص لنقبل على القراءة. هذا الإغراء هو الذي تظن انك ستجد فيه ما يكشف لك عن شيء تجهله، أو عن إشكال صَعُبَ فهمه عليك. فإذا بك بمجّرد الظن أنك ستعرف ما كنت تجهله، سوف تواصل المضيّ في فضاء النص بحماسة واستئناس نادرين. لكن كيف للمرء أن يقرأ وهو موصول بغواية الإشكال، وكيف له أن يجد ضالته في النص من دون الغرق في ضجر يرميه به ما لا طائل منه؟ البدء في القراءة وأصلها أن ننصرف عن العرض، فهذا لن يفيد شيئاً إلا للإخبار .. بالعرض وكفى، يبقى النص كما لو أنه لم يُقرأ! لابد إذن، من الدخول إلى النص لرؤيته من أعماقه، لإضاءة العتمة التي يقيم فيها، ومن هناك لإخراجه على هيئة جديدة هي غالباً مغايرة للهيئة التي رسمها كاتب النص لنصّه. والنص المقروء على هذا النحو سيخرجنا من جهلنا به، ويعيد إنتاج أفكارنا سواء بطريقة الفهم أو بأسلوب الكتابة. والقاريء في دخوله إلى عتمة النص، عليه أن يكابد لإضاءة ليله، وإذ ذاك تنبثق الأنوار الفريدة لذهب الكلام.