ساقتني الصدفة لأكون أحد ضيوف برنامج على مسئوليتي الذي يقدمه ببراعة تامة وهدوء مثير الفنان دريد لحام على شاشة الـ M.B.C، وكانت الحلقة واحدة من ثلاث حلقات تم تسجيلها في مدينة دبي للاعلام على هامش المنتدى الاعلامي الذي نظمته دبي مؤخرا. وحتى هنا كل شيء يبدو عاديا جدا، إلا ان غير العادي هي الاجابة التي كانت ردا على سؤال طرحه الكاتب الأردني الزميل خيري منصور على مرافقتنا الحسناء ونحن في طريقنا إلى مكان التصوير. ـ قال الزميل خيري وهو ينظر إلى الكراسي المرتبة بعناية والجمهور الذي ينتظر دون كلل.. هل هؤلاء ينتظروننا؟ ـ أجابت الحسناء ذات الشعر الأشقر: نعم.. بالتأكيد. ـ ومن أين جاءوا.. هل هناك اعلان عن تسجيل البرنامج؟ ـ لا يوجد اعلان ولا هم يحزنون، كل هؤلاء مهمتهم الفرجة فقط والتصفيق! وحتى أصدقك القول أضيف بأنه توجد شركات مهمتها تأمين الجمهور للبرامج التلفزيونية، وأحدد أكثر أن مثل تلك الشركات والمهن الجديدة متواجدة الآن وتمارس عملا احترافيا. ـ زمّ زميلنا خيري شفتيه وتمتم ممتعضا وهو يردد: تعيش أكثر وتشوف أكثر.. كل شيء أصبح بالفلوس حتى التصفيق! لم تتح لنا تلك الوقفة القصيرة حوارا مطولا، فقد بدأ الفنيون باستعجالنا فانقطع الحديث عند الحركات اللاإرادية التي ارتسمت على الوجوه، ورغم ذلك لم أنس أو أتناس أولئك المحترفين الذين يقتطعون من يومهم زمنا للتصفيق.. لقد عرفنا وتعلمنا ان هناك كومبارس في تصوير المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية، واليوم تعلمنا الكواليس ان هناك متفرجين كومبارس. ولو قرأ زميلنا خيري منصور الخبر الذي طيرته احدى وكالات الأنباء من تايلاند لاتسعت دهشته، حيث أشار الخبر الى ان احدى الشركات التايلاندية بدأت ممارسة عملها الجديد الذي تم ترخيصه مؤخرا، حيث تقوم بتأجير أشخاص للنواح في الجنائز والصراخ في الحفلات الموسيقية، اضافة إلى تلقي صفعات على الوجوه. كما تقوم الشركة بتأجير عملائها موظفين للجدال نيابة عنهم أثناء نوبات الغضب والمشاجرات. وتسمى الشركة «العجيبة 1900-108» وهو ما يعني ان لديها أي شيء يخطر على بالك، ويقول صاحبها انه أوجدها لمساعدة العاطلين الذين فقدوا أعمالهم، مشيرا الى ان الفكرة راودته بعد زيارته لمطعم يقدم لزبائنه أي شيء يطلبونه. وتلبي الشركة كما ذكرت صحيفة «بانكوك بوست» مرافقة العملاء أثناء التسوق والرحلات والمساعدة في انشاء غرف للتخزين، اضافة إلى تأجير موظفين لمساعدة الأطفال في التخلص من ادمان الانترنت، حيث ترسل موظفا لمصادقة الطفل واقناعه بالانخراط في أنشطة أخرى مثل التسوق والتمرينات الرياضية وغيرها. وتتراوح التكاليف بين ألف بات تايلاندي أي حوالي مئة درهم لتلقي صفعات على الوجوه، أو ما يعادل خمسين درهما للصراخ في الحفلات الموسيقية. هل تقف الحكاية التايلاندية هنا أم تتبعها حكايات أخرى؟ الاجابة تأتي من القاهرة هذه المرة، فإذا كان التايلانديون قد احترفوا تلقي الصفعات، فإن المصريين احترفوا المرض، فعلى غرار لاعبي كرة القدم والمصارعة وكرة السلة والتنس يتواصل بعض المرضى في مصر مع حالة الاحتراف. وهؤلاء المرضى المحترفون يقتصرون على فرعين فقط من فروع الطب هما الجراحة والباطنة العامة، وعملهم كمرضى له مواسم يكثر فيها الطلب عليهم، وفي مواسم أخرى يعانون الركود.. ومواسم ازدهارهم تكون في الدروس الخصوصية لطلاب البكالوريوس في كليات الطب وتحديدا في المادة الاكلينيكية، حيث يتوجه المدرس إلى المقاول وهو بمثابة نقيب المرضى المحترفين، فيتعاقد معه على استعارة عدد من زملائه ويحدد له الأمراض التي يريدها ويدفع له عمولته، ثم يأتي المرضى إلى المكان الذي يعقد فيه الدرس فيخضعون لكشف الطلاب على سبيل التمرين ويتقاضى كل واحد منهم مبلغا من المدرس يتراوح بين 25 و30 جنيها، بالاضافة إلى إكراميات من بعض الطلبة. المثير في هذه الحكاية ان هؤلاء المرضى يتحرقون شوقا الى موسم الامتحانات وهم بذلك يعرفون مواعيدها جيدا، فيحجزون للكشف في العيادات الخارجية للمستشفيات الجامعية قبل موعد الامتحانات بأيام عدة، وهنا تأتي مهمة الطبيب الذي يوقع الكشف عليه ثم يدخله المستشفى استعدادا للامتحانات ويكون المريض المحترف في هذه الحالة قد حفظ الملف الخاص به ويشمل تاريخه الشخصي والتشخيص الطبي لحالته، وهو هنا يتقاضى أجره من الطالب مباشرة حيث يتراوح بين 150 إلى 200 جنيه للحالة الطويلة وبين 50 إلى 70 جنيها للحالة القصيرة، إلا ان هناك شروطا تستوجب ان يقدمها المريض المحترف للطالب الطبيب منها أن يسرد المعلومات المطلوبة بدقة بالغة مستخدما الألفاظ العلمية الصحيحة باللغة الانجليزية رغم انه قد يكون أميّاً، وربما يقوم المريض أحيانا بارشاد الطالب الى المكان الذي يجب فحصه. ورغم المناداة العالمية بضرورة التخصص والخصخصة، فإن تلك الظاهرة أصبحت جزءا من النظام الدراسي في كليات الطب، وأصبح الاقبال عليها متزايدا. بمعنى آخر نقول: انه احتراف في زمن العولمة!