يقبع خوف كامن في العقل الباطن أو الواعي لأي سياسي أو كاتب في أمريكا، اذا تجرأ وتناول أزمة الشرق الأوسط، فهو يستطيع ان يقول أو يكتب ما يشاء، في وصف ياسر عرفات والفلسطينيين في الأرض المحتلة، فهم «ارهابيون»، «يكرهون اليهود»، «قتلة»، أو «مجرد ضحايا سقطوا في تبادل لاطلاق النار»، وهم «انتحاريون».. الخ. يمكن ان نجد وصفا لطفل فلسطيني قتلته رصاصة اسرائيلية، بحيث يقتصر الوصف على انه «ضحية توجيه خاطئ من والديه» أي ان اللوم يوجه الى الفلسطينيين على موت أطفالهم وليس الجندي الاسرائيلي الذي أطلق عليهم النار، وسوف نجد تقريعا للأم الفلسطينية «لأنها ربت أطفالها على كراهية اليهود».. كل ذلك يعتبر تعبيرا عن الرأي في المساحة المأمونة، ولكن عندما يتجرأ أي كاتب أو سياسي بالحديث (ولو بشكل متحفظ) عما ترتكبه اسرائيل من جرائم في حق الشعب الفلسطيني، فانه يخاطر بمستقبله المهني بل والشخصي، وستكون تهمته الجاهزة بأنه «معاد للسامية». أكثر ملكية من الملك ومن المشاهد التي لا يمكن ان تمحى من الذاكرة العربية الجماعية (وما أكثرها)، فان مشهد مقدمي البرامج الاخبارية في محطة خخ وغيرها من المحطات الأمريكية يحتل مكانة مميزة، ففي مواجهة الصور البشعة التي نقلتها تلك المحطات على استحياء لمظاهر الدمار الوحشي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فان هؤلاء الأشخاص كانوا يطأطئون الرؤوس في خجل ولكنهم في الوقت نفسه يختلقون الأعذار والحجج، بل ان واحدة منهم كانت تضع الكلمات والحجج في فم المتحدث الرسمي باسم الخارجية الاسرائيلية، وتستحثه ان يؤكد ان «كولن باول» لن يقابل عرفات، بحجة ان هناك عملية فدائية تمت عشية زيارته للمنطقة، وكان من الواضح ان المسئول الاسرائيلي متردد وليس لديه تعليمات واضحة من حكومته في هذا الشأن، وهي تقول بالحاح: «أظن انه بعد هذه المناظر البشعة للعملية الانتحارية، لابد ان حكومتك ستطلب وقف هذه الزيارة»، وفي النهاية اضطر المسئول الاسرائيلي تحت ضغط المذيعة الأمريكية ان يصرح بأن حكومته «قد تنظر في ان تطلب ذلك من باول..». وفي نشرة الأخبار التالية تحول ذلك التصريح المتردد المنتزع انتزاعا الى خبر يقول «صرح مسئول في الخارجية الاسرائيلية ان حكومته سوف تطلب من باول الغاء لقائه مع ياسر عرفات بسبب العملية الارهابية.. الخ»، مع صور متتالية ومتكررة لموقع الهجوم وبشكل ممل لفتاة اسرائيلية تبكي في جزع بين كتفي شابين اسرائيليين، هذا في الوقت الذي كان فيه معسكر اللاجئين في جنين قد تعرض لمذبحة وحشية لا سابق لها. صوت سيده وهكذا تتحدث نشرات الأخبار في الشبكات الأمريكية عن «عملية عسكرية لاقتلاع جذور الارهاب» (Operation to root out terror) أو عن «اشتباكات عسكرية» (موفٌك ٌّْفيٌيح) أو «قتال عنيف» (Heavy fighting) وهي كلها مصطلحات تخرج من قواميس المتحدث الرسمي باسم الجيش الاسرائيلي، بينما الحقيقة ان العدوان العسكري يتم من جانب واحد تقريبا بواسطة دبابات ومدفعية وطائرات وصواريخ اسرائيلية، ضد مجموعات صغيرة من الفلسطينيين المسلحين بأسلحة صغيرة. لن تجد مذيعا واحدا في تلك الشبكات الأمريكية لديه الجرأة أو الشجاعة ليصف المذابح بأسمائها الحقيقية، ليقول مثلا ان ما يتم هو قتل متعمد لأبرياء مدنيين وليس قتالا بالمعنى المعروف للكلمة. وهكذا فان ما تفعله شبكات الاعلام الأمريكية لا يزيد على كونها مكبرات للصوت للدعاية الاسرائيلية، ومن ذلك مثلا أنها اعتمدت وبشكل يبدو وكأنه يقين لاشك فيه تلك الرواية الاسرائيلية الكاذبة عن ان ياسر عرفات قد أضاع فرصة السلام حين رفض عرضا سخيا في كامب ديفيد 2000 يتضمن انسحابا اسرائيليا من 96% من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بينما الحقيقة التي أقر بها حتى بعض الأمريكيين الذين شاركوا في المفاوضات هي ان ما كان معروضا على عرفات لا يزيد على 46% من 22% مما تبقى من أرض غير محتلة، أي أقل من نصف ما تبقى من الأرض، وبالتالي فان الوجه الذي يقدمه الاعلام الأمريكي لعرفات هو وجه رجل طماع لا يريد السلام، فضلا عن الصاق وصف الارهاب. ومن ذلك أيضا ان الصورة التي يقدمها الاعلام الأمريكي عن اسرائيل هي انها دولة يهودية صغيرة تتشبث بأظافرها من أجل البقاء ضد وحوش من الأعداء العرب يريدون القضاء على وجودها، وكأن تلك الدولة اليهودية الصغيرة ليست مسلحة بما يزيد على مئتين وخمسين قنبلة نووية، وتمدها أمريكا بآخر ما وصلت اليه التكنولوجيا العسكرية من أدوات الدمار، فضلا عن مساعدات اقتصادية سخية ودعم سياسي غير مسبوق، وكأن هذه الدولة اليهودية الصغيرة لم تكن هي الدولة التي حطمت جيوش ثلاث دول عربية في ساعات قليلة عام 1967، أو قامت بغزو لبنان وحاصرت عاصمتها بيروت عام 1982، كل ذلك لا يراه الاعلام الأمريكي الخائف من ملاحقته بتهمة «معاداة السامية». وحتى «شارون» الذي لا يستطيع أحد ان يدافع عنه حتى داخل اسرائيل نفسها، لا يجرؤ كاتب أو معلق أمريكي على انتقاده علنا، خوفا من اتهامه بمعاداة السامية، حتى وكأنه يبدو ان الذاكرة الأمريكية قد سقطت منها مذبحة «صبرا وشاتيلا» وبدأوا يتحدثون عن مبادرته الشجاعة للسلام من خلال مؤتمر دولي، ويشاركون في حملة واسعة للتجميل يقوم بها عتاة صناعة النجوم.. النظريات الغامضة واذا كان الكتاب والمعلقون لهم عذرهم من ذلك السيف المسلط فوق رقابهم، فما هو عذر السياسيين ورجال الادارة الأمريكية؟ لقد وصل الأمر بالرئيس الأمريكي ان يصف السفاح شارون بأنه «رجل سلام» ، مما عرضه لسخرية العالم كله لأن ذلك الوصف هو آخر وصف يمكن لشارون ان يتحلى به، بل أنني أشك في ان شارون نفسه يقبل لنفسه هذا اللقب، فهو يفضل لقب «قاتل العرب».. ولكن الرئيس بوش خلال الشهور الماضية، ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي له تصريحات عجيبة ومثيرة تجعلنا نشعر بالأسى على حال العالم الذي أصبحت مقاديره بين يدي تلك القوة العظمى، فهو يقول حينا ان الحرب ضد الارهاب هي «حرب صليبية»، ثم يتراجع عن ذلك، ويقول مرة أخرى «من ليس معنا، فهو علينا» ويحتار المحللون في ايجاد معنى لتلك العبارة التي تتعارض مع أبسط نظريات السياسة، فالعلاقات الدولية لم ولن تكون أسود أو أبيض، ولكن الرئيس الأمريكي يشرح نظرياته بشكل أكثر تفصيلا، فالحرب ضد الارهاب هي حرب ضد الارهابيين ومن يتستر عليهم ومن يمولهم ومن..، ولا نعلم في الواقع كيف يمكن ان يفلت أحد من هذا التعريف؟ فربما يكون جاري أو صديقي ارهابيا (طبقا لمعايير بوش) دون ان أعلم، فهل يعني ذلك أنني أتستر عليه وأستحق قذيفة من طائرة أو ان يهدم بيتي وبيت أهلي وكل من يعرفونني؟.. ولقد اعتنق «شارون» هذه العبارات الغامضة التي لا مدلول لها، واستخدمها ضد بوش نفسه عندما طالبه على استحياء ان يسحب قواته من الأراضي المحتلة، ووجد بين المعلقين الاسرائيليين ومنهم سيئ الذكر «نتن ياهو» من يقول: «ان بوش الذي دمر أفغانستان تدميرا، يطلب منا ان نتوقف عن تدمير الفلسطينيين رغم أننا نطبق نظرية بوش نفسه في الارهاب». وفي مواصلة من الرئيس الأمريكي لتصريحاته غير المفهومة، يقول بشكل حاسم: «لقد طلبت من اسرائيل ان تنسحب، وأنا أعني ما أقول، وأتوقع ان أجد نتيجة لذلك».. ثم تمر الأسابيع على ذلك التصريح الحازم، وحتى كتابة هذه السطور لم تنسحب اسرائيل فعليا من الأراضي الفلسطينية، ولم يفهم أحد معنى عبارة «أنا أعني ما أقول!!». ولم يكتف الرئيس الأمريكي بذلك، فقد التقط المصطلحات الاسرائيلية في تعريف العمليات الفدائية الفلسطينية، بل ووضع عمامة الفقيه كي يحدد لنا من هو الشهيد ومن هو غير الشهيد، وليس من المستبعد ان يشرع في وقت قريب بالافتاء لنا في أمور ديننا. الذئب.. الذئب!! ومن المدهش ان الأقليات اليهودية في العالم كله قد هبت عن بكرة أبيها تتهم كل وسائل الاعلام في أوروبا بأنها «معادية للسامية»، وذلك لمجرد أنها نقلت ما يحدث من مجازر في الأراضي المحتلة، وأقامت الدنيا ولم تقعدها على ممثل الأمم المتحدة «تيري لارسن» لمجرد ان تجرأ وأعطى وصفا لما شاهده حوله في جنين، وهو وصف مجرد لا يختلف عليه اثنان. أصبح أي نقد لاسرائيل هو معاداة للسامية، ولاشك ان ذلك يعيد للأذهان قصة «الذئب.. الذئب»، ويبدو أنهم سيبالغون في استخدام هذا السلاح لترهيب الناس حتى ينقلب السحر على الساحر، ويمل الناس من ذلك التكرار السخيف، وهو ما بدأ يحدث بالفعل في بعض الدول الأوروبية، حيث وجد البعض الشجاعة ان يصرخ في وجه هذا الارهاب اليهودي، وينتقد دفاع الأقليات اليهودية عن اسرائيل سواء بالحق أو بالباطل، بل ان الأسوأ من ذلك ان ذلك قد يؤدي بالفعل الى خلق معاداة حقيقية للسامية، وساعتها ستكون تلك الأقليات أول الخاسرين. ومن المثير للتأمل في هذا الاطار، ان المفاجأة التي حققها اليميني الفرنسي المتطرف «لوبن» في الانتخابات الأخيرة، قد أسعدت بعض يهود فرنسا، رغم ان تاريخه كله ـ طبقا لليهود ـ معاد للسامية، أما سر سعادة هذا البعض فهو ان «لوبن» يتخذ موقفا متشددا من مسألة المهاجرين من شمال افريقيا من العرب المسلمين، وحيث ان هذا البعض أصبح متخوفا من زيادة نفوذ وتأثير هؤلاء المهاجرين، أي انه ليس لديهم مانع من وصول «معاد للسامية» الى سدة السلطة في فرنسا ما دام هو عدوا للعرب والمسلمين، وذلك اثبات آخر لافلاس دعواهم وفراغها من أي محتوى. ان الحملة الضخمة التي نشهدها الآن تهدف الى غسل الجرائم التي ارتكبتها وترتكبها اسرائيل في الأراضي المحتلة، وسلاحها الحاد هو الادعاء الكاذب «بمعاداة السامية».. انها ستارة ضخمة من الدخان تحاول فيها الأقليات اليهودية المسيطرة في العالم ان تخفي الوجه البشع أو الحقيقي للعنصرية الصهيونية، ولاشك في ان هذه الحملة قد تنجح في ارهاب بعض الكتاب أو بعض السياسيين، ولبعض الوقت، ولكن من المؤكد انها لن تنجح في خداع كل الكتاب والسياسيين كل الوقت. ولابد ان تكون الحملة المضادة لذلك واضحة في التفريق بين ما يسمى «معاداة السامية» وبين «انتقاد جرائم اسرائيل» ، وذلك من خلال بيانات موثقة عن هذه الجرائم، وقطع الصلة بين مقاومتنا لها وبين ما يمكن ان تستغله آلة الدعاية اليهودية، وعلينا ان نسلط الضوء وبقوة على حقيقة «الولاء المزدوج» لتلك الأقليات اليهودية في العالم، دون ان نمنحهم أية فرصة لاتهامنا بمعاداة اليهودية كدين. ـ كاتب مصري