أرييل شارون وجورج بوش يطالبان معا باحداث تغيير هيكلي في قيادة وجسم السلطة الفلسطينية وكذلك يطالب قادة الفصائل والمنظمات الفلسطينية، ولكن شتان بين المطالبتين.. فكل منهما نقيض الآخر تماما. شارون وبوش يتعاملان مع المسألة من منظور أمن اسرائيل بينما مطالبة قادة الفصائل الفلسطينية مبنية على اعتبارات الارتقاء بالمقاومة الفلسطينية المسلحة ضد الاحتلال الاسرائيلي والتواطؤ الامريكي كماً ونوعاً وما يتطلب ذلك من تغيير سياسي على مستوى قيادة السلطة. عند نقطة ما تلتقي هاتان المطالبتان المتناقضتان قبل ان تفترقا في اتجاهين معاكسين. فكلا الطرفين الاسرائيلي والامريكي من ناحية والفلسطيني من ناحية اخرى غير راض عن الرئيس ياسر عرفات فبينما يأخذ عليه الثنائي الاسرائيلي الامريكي تردده في القضاء على منظمات المقاومة (تحت اسم مكافحة الارهاب) فان قادة الفصائل يأخذون عليه الرضوخ من حين لآخر للضغط الامريكي الاسرائيلي، المدعوم بضغط عربي بتقديم تنازلات سياسية جسيمة خرقا لثوابت الحقوق والمباديء الفلسطينية. لذا فاننا موعودون كما يبدو بمشاهدة معركة سياسية حامية محورها تحديد مستقبل السلطة الفلسطينية وهي معركة فاصلة سوف تقرر نتيجتها النهائية تحولا جذريا في توجه ونهج السلطة: فاما ان تتحول بالكامل الى كيان امني صرف لخدمة الاجندة الاسرائيلية المدعومة امريكيا او الى اداة ثورية لخدمة اجندة المقاومة الشعبية. بعد التشاور مع شارون في البيت الابيض هذا الاسبوع اوفدت ادارة بوش مدير الاستخبارات المركزية الامريكية جورج تينيت الى المنطقة وهذه الزيارات يمكن ان تكون الطلقة الاستهلالية في المعركة السياسية المرتقبة فالمهمة المكلف بها تينيت هي ببساطة اعادة بناء الاجهزة الامنية الفلسطينية بشريا لتكون ـ كجهاز موحد جديد ـ امتدادا للسطوة الامنية الاسرائيلية داخل الاراضي المحتلة اما على الصعيد السياسي فان الهدف الاسرائيلي الامريكي هو احلال طاقم قيادي جديد يتكون من عملاء تنحصر مهامهم في قمع المقاومة من ناحية وتنفيذ الاجندة الاسرائيلية لمستقبل الاراضي المحتلة ووفقا لهذا التصور ربما يبقى عرفات او يقصى اعتمادا على مدى تجاوبه مع هذا المخطط او رفضه. والاجندة الاسرائيلية باتت واضحة بعد اعلانها رسميا وهي تتلخص في القضاء نهائيا على فكرة «الدولة الفلسطينية» عن طريق موافقة الطرف الفلسطيني على ابرام «اتفاق امني» مع اسرائيل يبقى ساريا لبضع سنوات. قادة فصائل المقاومة قلقون. وقد أصبح قلقهم يتعاظم في اعقاب فك الحصار عن الرئيس عرفات. هذا القلق ليس غير مبرر. فهناك شواهد بائنة، وابتداءً فان هناك ثمة قرائن تفيد بأن الموافقة الاسرائيلية الامريكية على فك اسار الرئيس الفلسطيني صدرت في اطار صفقة تعهد بموجبها عرفات بتسليم ستة فلسطينيين تطالب بهم اسرائيل الى فريق أمني امريكي بريطاني. ومن ثم تواترت تنازلات خطيرة اخرى. فقد وافق الفريق التفاوضي الفلسطيني في ازمة كنيسة المهد بتوجيه مباشر من الرئيس عرفات على طلب اسرائيلي امريكي بنفي عدد من الفلسطينيين «المطلوبين اسرائيليا» الى خارج الاراضي الفلسطينية، مما يشكل سابقة جد خطيرة تتناغم مع مشروع «الترانسفير» الشاروني الذي يهدف الى تهجير أكبر عدد من الفلسطينيين من وطنهم. وهو كما نعلم مشروع مبني على دعوى «توراتية» بأن الضفة الغربية جزء من «أرض الميعاد». مثل هذه الشواهد لا تبشر الا بما هو أسوأ. ومن هنا كانت مطالبة قادة فصائل المقاومة بإجراء تغيير جذري وشامل في تركيبة القيادة الفلسطينية ووفقاً لهؤلاء القادة فان محنة الاجتياح الاسرائيلي الكاسح في المدن الفلسطينية لما يقارب الشهر كشفت معادن شخصيات قيادية كانت على الدوام موضع ريبة.. فهناك من نأى بنفسه مؤثراً الخلاص الذاتي، وهناك من دخل في اتصالات مريبة مع العدو.. وهناك من نصح بالمساومة.. ألخ. وسواء صحت شكوك قادة الفصائل أو لم تصح فان الثابت الان هو ان محنة الاجتياح الاسرائيلي أوضحت مدى اتساع الهوة بين قيادة السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني كما تمثله فصائل المقاومة الشعبية. ولذا فان التغيير السياسي على مستوى بنية السلطة بات مطلوباً بالحاح من اجل إحلال قيادة جديدة تتشارك فيها قيادات الفصائل كافة.