في حالات العشق المجنون يفقد العاشق بصره وبصيرته.. يفقد قدرته على الرؤية والاختيار.. يقبل أي شيء.. ويبيع كل شيء.. يصبح منوما كالسحر.. وربما يفقد ما تبقى من عقله.. وكرامته. لا نريد أن ندخل في الخصوصيات.. ولكن.. لا يمكن تفسير العلاقة بين الولايات المتحدة واسرائيل الا على طريقة (قيس بن الملوح) الذي مات مخبولا بهلولا في صحراء (نجد) فالولايات المتحدة تدلل اسرائيل وتهيم في عينيها وتفقد صوابها كلما جاءت سيرتها ولا ترد لها طلبا ومهما تجاوزت لا تفكر في عقابها. ولا نقصد بتجاوزات اسرائيل ماترتكبه في حق العرب.. ولكن.. ماترتكبه في حق الولايات المتحدة نفسها.. لقد تحولت اسرائيل الى طفل مدلل.. ملوث.. أحمق.. سخيف.. يبصق فيمن صنعوه وربوه وكبروه ودعموه وساندوه.. ان اسرائيل لا تكف عن التجسس على الولايات المتحدة.. وفي عقر دارها.. واسرائيل تركت مئات من جنود المشاة البحرية الأمريكية يقتلون في بيروت بشاحنة ناسفة كانت تعلم بتوقيت انفجارها.. وقبل ذلك.. كانت فضيحة سفينة التجسس الشهيرة (ليبرتي). لقد عدت من رحلتي الأخيرة الى واشنطن بكتاب تربع على عرش (الأفضل مبيعا) لمدة تزيد على العام.. وكاد أن يدفع مؤلفه (جيمس بامفورد) حياته ثمنا لنشره.. فقد وجد سيارته مرة بدون فرامل.. ووجد شحنة من المتفجرات في مكتبه مرة أخرى.. ووجد من يفتعل مشاجرة معه مرة ثالثة وهو في طريقه الى بيته بعد سهرة تناول فيها العشاء.. أما الكتاب فهو (جهاز الأسرار) عن هيئة الأمن القومي الأمريكي.. أكثر أجهزة بلاده سرية.. وهو ليس كتابه الأول عنها.. فقد سبق ان اخترق جدار الصمت المحيط بها لأول مرة عام 1982 بكتاب (قصر الألغاز).. والكتابان معا يرسمان صورة مثيرة من الداخل للجهاز الذي يسمع (دبة النملة) ويقدر على أن يتابع مكالمات (أسامة بن لادن).. و(صدام حسين).. ويمكنه ان يسمع بوضوح ماتقوله لزوجتك قبل النوم. كانت مهمة هذا الجهاز في البداية هي فك الشفرات والرموز السرية لمختلف دول العالم خصوصا روسيا وألمانيا والصين والتنصت عليها.. ولم تكن هذه المهمة قبل الحرب العالمية الثانية مثيرة للاهتمام.. ومن ثم كان مقر هذه الهيئة عند انشائها في (بدروم) تحت الأرض لا تزيد مساحته على 25 مترا مربعا.. ثم خرجت الى النور بعد أن أصبحت مهمتها فك شفرة (هتلر) قبل هزيمته ووفاته.. وعندما بدأت الحرب الباردة بين الشيوعية في موسكو والرأسمالية في واشنطن أصبحت هذه الهيئة هي (العجل الذهبي) الذي يعبده البنتاجون والبيت الأبيض ووكالة المخابرات المركزية.. ان الادارة الأمريكية ترى وتسمع وتشم وتلمس مايحدث في العالم بحواس وأجهزة هيئة الأمن القومي.. وربما لهذا السبب أعاد الرئيس الأمريكي الأسبق (هاري ترومان) تنظيمها في 24 أكتوبر عام 1952.. وكان اخر قرار يوقعه.. ففي تلك الليلة انتخب (دويت ايزنهاور) رئيسا بدلا منه. وجه (ايزنهاور) كل طاقات وخبرات وامكانيات الهيئة ناحية السوفييت وقامت طائرات خاصة مزودة بكاميرات تصوير واجهزة تنصت بهذه المهمة كانت تطير فوق الحدود الشمالية للاتحاد السوفييتي (والتي تمتد 3500 ميل) بمعدل 8 - 10 مرات في اليوم.. وقامت هذه الطائرات بنحو 156 عملية فوق الأراضي الروسية دون خسارة طائرة واحدة.. ودون نشوب حرب نووية. ولكن فيما بعد.. في أول مايو عام 1960 انطلق (فرنسيس جاري باورز) بطائرة تجسس من طراز (بو ـ تو) من احدى القواعد النائية في بيشاور في باكستان في الرحلة رقم 24 لهذه الطائرة.. وما أن اخترق المجال الجوي السوفييتي وراح يصور قواعد صواريخ الجيش الأحمر حتى سمع بنفسه صوت قائد وحدة الصواريخ الروسية وهو يصدر أوامره بضرب طائرته.. وفجأة أصاب صاروخ جناح الطائرة وذيلها وبدأت في الهبوط من ارتفاع 75 ألف قدم.. ورغم ان الطائرة مصممة على أن يموت الطيار لو تحطمت الا أن (باورز) قد نجا وأصبح أسيرا.. وراحت اجهزة الدعاية السوفييتية تستخدمه في هجوم ضار على الولايات المتحدة.. ولم تجد ادارة (ايزنهاور) ماترد به سوى الأكاذيب.. وقد حوكم (باورز) بتهمة التجسس وحكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات ثم أطلق سراحه في عام 1962 مقابل الافراج عن أحد كبار الجواسيس السوفييت وهو الكولونيل (رودولف آيل). لم يكتف (ايزنهاور) بالتجسس على الاتحاد السوفييتي وأمر الهيئة بتوجيه اجهزتها الى الشرق الأوسط.. خاصة بعد العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 لقد بدأ هذا العدوان بتأميم القناة وبروز جمال عبدالناصر زعيما قوميا.. وقد قررت بريطانيا وفرنسا استرداد القناة بالقوة على ان تجر اسرائيل القوات المصرية بعيدا في سيناء لتصل القوات البريطانية الفرنسية وتسيطر على كل شيء.. وهي (خطة ماكرة) على حد وصف الوثائق الأمريكية.. و(قد اخفوا تفاصيلها عن واشنطن).. ومع تفاقم (أزمة السويس) بدأت هيئة الأمن القومي الأمريكي تفتح عينيها واذنيها على الشرق الأوسط.. وكان دخولها الى المنطقة من باب الازمات.. فقد اكتشفت ان دعمها للمخابرات الاسرائيلية لم يثمر.. ولم تجد صداه في الوقت المناسب.. بل وجدت انها تضللها وتبعدها عما يجري.. وقد أدى ذلك الى استقالة مدير الهيئة الجنرال (رالف كانين) وادى ايضا الى تغيير في خرائط التجسس التي تغطيها الهيئة واضافة خبراء في اللغة العربية والعبرية.. وخبراء في فك شفرات دول هذه المنطقة كلها.. وهناك اعتراف بأنها نجحت في ذلك. وحتى لا تتكرر المأساة راحت الهيئة تمد أنيابها ومخالبها الى كل شبر على ظهر الكرة الأرضية.. ومن جانبها وضعت الادارة الامريكية على رأس هذه الهيئة من يقدر على تنفيذ مهامها ببراعة ودون متاعب.. وأشهرهم وأخطرهم الأدميرال (جاك فروست) فقد رفع عدد موظفيها الى نحو 8 آلاف.. وجعلها تلتهم الجزء الأكبر من ميزانية المخابرات التي بلغت في تلك الأيام من الستينيات ملياري دولار.. كما انها كانت تحصل على نصيب من ميزانية الدفاع التي لم تكن تزيد على مليار ونصف المليار دولار.. أما هذه الأموال فقد ذهبت لبناء أسطول من سفن وغواصات التجسس بخلاف اقامة محطات ومراكز التنصت.. انها لم تترك موقعا على اليابسة الا واقامت عليه أجهزة للرصد والتتبع.. بما في ذلك بعض سفارات بلادها التي تبدو مثل مواقع وقلاع حصينة. وتتجه هوائيات الهيئة شمال وغرب وشرق العاصمة القبرصية (نيقوسيا) نحو دول الشرق الأوسط.. وبالقرب من جزيرة (كريت) يمكن مشاهدة تلفزيون القاهرة بسهولة.. وقد لعبت مراكز التنصت في قبرص دورا مهما في حرب الخليج عام 1990.. وتابعت مفاوضات السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين.. وساعدت في السعي الى اطلاق الرهائن الأمريكيين في لبنان.. وقد وجدت الهيئة أن مراكز التنصت الثابتة في تلك المنطقة المتوترة أكثر سلامة لها من استخدام السفن المتحركة.. خاصة بعد ماجرى للسفينة (ليبرتي). لقد كانت (ليبرتي) في غرب أفريقيا في خامس مهمة لها عندما بدأ الوضع على الحدود السورية الاسرائيلية في التدهور في مايو 1967 وزاد التدهور بعد ان رحلت مصر مراقبي الأمم المتحدة ودفعت بقوات كثيفة الى سيناء بخلاف تعبئة 100 ألف من الاحتياط وأغلق جمال عبدالناصر مضيق (تيران) وخليج (العقبة) امام الملاحة الاسرائيلية.. وراحت اسرائيل تقنع الولايات المتحدة بأن جمال عبدالناصر سيشن عليها الحرب.. وكانت أكذوبة على نحو ما اعترف به (مناحم بيجن) بعد سنوات.. فقد كانت اسرائيل هي التي تخطط للضربة الأولى على مصر وحسب ماجاء في الكتاب الذي نعرض له فان مناحم بيجن قال في عام 1982: «ان حشود الجيش المصري في ممرات سيناء لم تكن تثبت ان جمال عبدالناصر كان يريد مهاجمتنا بالفعل.. يجب ان نكون صادقين مع أنفسنا.. لقد قررنا نحن مهاجمته». في تلك الأيام المتوترة راحت الهيئة تطلب المعلومات والمشورة من مواقعها في قبرص.. لكن ما وصل اليها من قبرص لم يكن مشجعا. فكان ان صدرت الأوامر الى (ليبرتي) بأن تتجه الى الشرق الأوسط.. وكان ذلك في 23 مايو.. لكن كان عليها في البداية ان تتجه الى اسبانيا لتوصيل بعض مواد المساندة والامداد ثم تبحر الى منطقة العمليات.. قرب بورسعيد.. وصدرت الأوامر الى قائد السفينة (ماك جوناجل) بالرسو على بعد 6.5 أميال من سواحل اسرائيل وعلى بعد 12.5 ميلا من سواحل مصر.. ولكن في الخامس من يونيو والسفينة تعبر بالقرب من صقلية بدأت اسرائيل ضربتها واشعلت الحرب.. وفي الوقت نفسه نشرت اسرائيل روايات كاذبة نسبت فيها لمصر انها شنت هجوما شاملا ضدها.. وأنها تدافع عن نفسها. لكن.. كان من السهل على واشنطن ان تكشف أكاذيب اسرائيل.. فمع الطلقات الاولى في الحرب كانت هناك طائرة لهيئة الأمن القومي في المنطقة من طراز (سي ـ 130) تحلق قبالة مسرح العمليات ثم عادت الى قاعدتها ومعها تغطية كاملة للساعات الأولى للحرب.. ونقلت أشرطة التسجيل الى مراكز التحليل والتفريغ.. ولم يكن هناك خبراء في اللغة العبرية.. لكن تم الاستعانة ببعضهم. ووصلت (ليبرتي) الى مسرح العمليات في الساعة الخامسة والربع من صباح يوم الخميس 8 يونيو.. وشوهدت طائرات اسرائيلية تحلق فوقها ثم تعود الى تل أبيب.. وبعد مرورها بسواحل العريش حلقت فوقها طائرة استطلاع اسرائيلية.. وواصلت (ليبرتي) طريقها الى غزة.. ثم فجأة استدارت نحو العريش مرة أخرى وابطأت من سرعتها.. فقد كانت هذه هي المنطقة المحددة لها.. ويقول أحد طاقم السفينة: (أنه شاهد طائرة اسرائيلية تحلق فوق السفينة على ارتفاع منخفض وقد استطاع رؤية الطيار وحياه فرد عليه التحية.. وقد شاهد الطيار العلم الأمريكي على السفينة وعلاماتها). وحسب ماسجلته (ليبرتي) فان اسرائيل حولت العريش الى مجزرة.. فبجوار مسجد المدينة وضع الاسرائيليون نحو 60 أسيرا مصريا مقيدين ثم فتحوا عليهم النار.. (حتى تحولت رمال الصحراء الباهتة الى حمراء قانية.. ثم أمروا أسرى آخرين بدفن القتلى).. وقتل الاسرائيليون نحو 30 أسيرا غيرهم.. وأمروا بعض بدو الصحراء بتغطيتهم بالرمال.. وشوهد في العريش كذلك نحو 150 من الأسرى المصريين وهم مقيدون وطلب منهم أن يحفروا حفرة ثم قامت الشرطة العسكرية بقتلهم وكان ذلك في مطار العريش.. وحسب شهادة المؤرخ الاسرائيلي (أريه اسحاقي) فان الاسرائيليين قتلوا نحو ألف من الأسرى المصريين في سيناء بما في ذلك نحو 400 منهم في الكثبان الرملية للعريش.. وبالنص يقول مؤلف الكتاب (جيمس بامفورد): (ان أرييل شارون كان قريبا من هذه المجازر).. (لقد قتل بنفسه 49 أسيرا في سيناء آنذاك).. لكن (لو أردنا محاكمة المسئولين عن هذه الجرائم لوجب علينا محاكمة نصف الجيش الاسرائيلي.. وقد رفض شارون أن يذكر انه اتخذ أي اجراء تأديبي ضد المسئولين أو اعترض على القتل). ويضيف المؤرخ الاسرائيلي (أريه اسحاقي): (ان القيادة العسكرية الاسرائيلية بمن فيهم وزير الدفاع موشى ديان ورئيس أركان الحرب اسحق رابين وغيرهم عرفوا بهذه الأمور ولم يندد بها أحد.. وكانت هذه الجرائم جزء من الأسرار العميقة التي حاولت اسرائيل اخفاءها منذ بداية الحرب وراء ستار كثيف من الأكاذيب).. وكان لابد من اخماد أية محاولة أو وسيلة لاختراق هذا الستار الكثيف من الدخان الذي صنع (ضباب الحرب).. بما في ذلك تدمير واغراق (ليبرتي) فقد كانت (ليبرتي) تشهد.. وترصد.. وتسجل.. وتضع الدليل فوق الدليل لادانة اسرائيل. لقد عرف الاسرائيليون أن (ليبرتي) سفينة أمريكية.. ومع ذلك أصدروا الأوامر باغراقها.. ففي الساعة الثانية عشرة وخمس دقائق انطلقت زوارق طوربيد من ميناء أشدود نحو السفينة التي كانت تبعد 50 ميلا.. وتبعتها طائرات اسرائيلية تحمل صواريخ وقنابل نابلم.. وسرعان ما تحولت السفينة الى اشلاء.. لقد أرادت اسرائيل ان تغرق الحقيقة لتدفن في قاع البحر.. لكنها لم تعلم أن هناك طائرة على ارتفاع عال كانت تتابع مايجري.. ولم تعلن هيئة الامن القومي هذه الحقيقة حتى الآن.. (وهي تعتبر من أدق أسرارها). ولم تترك الطائرات الاسرائيلية طاقم السفينة ينجو بنفسه في القوارب الصغيرة فقد أمطرتها بالنيران من كل جانب فقد كان الهدف منع أحد من مغادرة السفينة على قيد الحياة.. ولكن الأسطول السادس الأمريكي تدخل في الوقت المناسب وعادت (ليبرتي) الى الماء مرة أخرى.. وصدرت التعليمات لكل الناجين من طاقمها بعدم التفوه بكلمة واحدة مماجرى وهددوا بتقديمهم الى محاكمة عسكرية بتهمة افشاء أسرار عسكرية في زمن الحرب.. وفيما بعد عوضت اسرائيل الضحايا بالمال.. ودفعت 20 ألف دولار للمصاب.. ودفعت 100 ألف دولار لعائلة القتيل.. وبيعت (ليبرتي) خردة في مزاد. ان ملف (ليبرتي) الذي يفتح ورقة بعد ورقة ويكشف سرا بعد اخر يثبت ان اسرائيل تتدلل على الولايات المتحدة منذ سنوات طويلة.. وان ماتفعله الآن ليس جديدا.. انه حلقة من مسلسل قديم.. سخيف.. اسمه (ومن الحب ماأهان صاحبه وذله وكسره عنقه وافقده عقله وجعله هائما في البرية). ـ كاتب سياسي ـ مصر