الان اصبحت عمليات عسكرية خطرة تستخدم فيها كل التكنولوجيا القاتلة في الحرب تسمى عمليات عسكرية محدودة، وهو اسم وعنوان يبدوان في ظاهرهما ألطف، قليلا من القول حرب محدودة، او قتل محدود، هكذا بدأ جنرالات الحرب يحددون نواياهم حينما يذهبون الى ساحات القتل، وهكذا اصبحنا نسمع اليوم كثيرا من هذه الجمل، على اعتبار انه يفترض اننا لا يجب ان نبدي من جانبنا اي نوع من الاستغراب، في هذا العصر وفي هذا التوقيت بالذات حتى لا نتهم بالتخلف، ومن ثم «الارهاب» على الرغم من اننا متهمون به ولا مفر. هكذا يريدوننا ان نتغير ونتبدل في معالجة الامور ونحن ندخل عولمة القتل بالمعنى الذي يفهمونه هم، او الارهاب الدولي بالمعنى الذي نفهمه نحن، وهو انك كانسان تعيش شروط العالم الجديد، عليك ان لا تنكر ابدا احقية ان يتدخل احدهم ليعلن حربا صغيرة او متوسطة، او بمقدار ثمانين بالمئة، او تسعين بالمئة، او مئة بالمئة، وعليك ان تعي تماما ان الحرب المحدودة تختلف عن الحرب الواسعة، ولهذا عليك ان تعدل بوصلة توجهاتك ومواقفك من هذه الحملة. بالامس اعلن جيش الصهاينة انه سيقوم بعملية محدودة في غزة، لأن ترتيب عملية واسعة سيتطلب كثيرا من الاعداد، أي كأن يقول احدنا سأذهب لقتل الف انسان لانه ليس لدي الوقت الكافي لقتل مليون منهم، ولو مكنني الوقت ومكنتني الظروف لفعلت®. هكذا يصبح الذهاب الى القتل، كمن يذهب لرصف طريق في الصحراء. وبالامس قيل ايضا ان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الـ «سي اي ايه» يتوجه الى الاراضي المحتلة لبحث تشكيل قوة امن فلسطينية تؤمن اولا واخيرا قدرا كاملا من الامن والامان للاسرائيليين قبل ان تؤمنه لابناء جلدتها، والمعروف طبعا ان تدخل دولة في امور خاصة كهذه لدولة اخرى يعتبر كارثة كبيرة، لكن القانون العالمي الجديد يسهل هذا تماما، فانت بقوتك يمكنك ان تشكل حتى نوعية المواطنين الذين تريدهم ان يكونوا شعبك، وما عليك سوى الموافقة على المواصفات المطلوبة، كي تتماشى مع منظومة الافكار العالمية المطروحة دوليا. من قال اننا احرار، ومن قال ان الفلسطينيين بعد اليوم سيكونون قادرين على الاستمرار في المقاومة دون ان تطحنهم الحروب المهندسة بالمقاس والدرجة والشرعية الدولية. اليوم يفصل كل شيء على مقاس دولي، حتى علاقة الحاكم بالمحكوم وبالعكس، ولا تقف المسألة عند هذا الحد، فها هم يتوجهون اليوم ودون حياء ليفندوا لك العلوم والافكار التي يتوجب لابنائك وابنائي ان يتلقوها، لان هذه الافكار وهذه القيم يجب ألا تخرج عن المقاس المفصل ولكل مجموعة بالتأكيد مقاسها المناسب، وحربها المناسبة. ما يحدث الان في الاراضي المحتلة، ومن الالعاب الساخنة على رقعة الشطرنج الامريكية الاسرائيلية، هو لا يخرج في صميمه من هذا الترتيب المنظم، هم ذاهبون الى غايات محددة سلفا ويدركون الخطوط التي يتوقفون عندها ومتى وكيف، ويدركون النقاط التي ستنحرف فيها بيادقهم الى تلك الحرب او هاتيك®. انهم يهندسون مصير الفلسطينيين هناك، ولديهم نية كبيرة لهندسة الوضع العربي برمته. وبالعمليات العسكرية البسيطة، المحدودة، او الخاطفة، او البطيئة .. عمليات لها اشكال والوان ومقاسات ومعروفة حتى اعداد القتلى التي ستسقط هنا وهناك؟