قبل عامين، في جو قائظ يشابه هذه الأيام في شدته وقسوته، هربت من ضجيج المدينة، وجدت طريقا صامتا من الناس والمركبات، مشيت عليه لوحة ارشادية، على جانب الطريق أكل الزمن أطرافها تحمل اسم المكان الذي يسير نحوه شارع الأسفلت القديم المليء بالحفر والتعرجات وبقايا دواب يبدو انها تتحرك على جنباته وتستعمله في سيرها، وكأنه رسم لها وحدها. انها تأخذك نحو «محافز» هذا الاسم الذي أطالعه واسمعه لأول مرة على هذه اللوحة الخضراء التي أصابها الصدأ في لونها وحروفها وحتى في قامتها التي بدأت تهوي نحو عمق الرمال الصفراء التي تقف عليها. أصابت «محافز» في وتر الوجع والحاجة التي تنقصني، ذلك وتر البحث عن الصمت والصفاء وحياة أخرى جميلة لا تسكن فيها سوى آيات الطبيعة ورائحتها. كتبت عنها محبا، متأثرا، منحازا، و وجدت بعدها رسائل وهواتف عديدة معجب أصحابها بمحافز، فعملت مرشدا مروجا لها. واحد من الذين أو لعله الوحيد الذي لم يعجبه حديث محافز النكرة التي حاولت تعريفها وتقديمها هو الأخ أحمد سعيد القعود، اتهمني: يبدو انك بدوي «مغشوش» ! معقول ان لا تعرف محافز، وأجبته خجلا: نعم انها المرة الأولى التي أتعرف عليها. فشرح لي انها كانت منذ القدم- قديم الأيام والزمن والعمر الجميل - كانت وماتزال واحدة من بقاع عديدة نخرج لها في موسم الشتاء قناصة تبحث عن أي صيد، نطلق عليه صقورنا - وما أكثر الطيور المهاجرة، والعائدة نحوها في الليالي الباردة. وعاد نحوي مستفهما أكثر: لا تقل لي انك لا تعرف «البطحاء» أو «العزب» أو «الغاية». أجبته نافيا وبحزم: لا طبعا، أعرفها جيدا والواقع كان غير ذلك.انها عندي مجرد أسماء وبقايا صور كأنها من الخيال، قد أكون مررت عليها، قد أكون سمعت وصفها أو دورها في حكايات أو أحداث، لكنني بالتأكيد لا أعرف من أين تبدأ ولا أين تكون. الا أن الجهل بمحافز جلب لي التشكيك في بداوتي، ولو جاوبته بغير المعرفة بهذه المناطق الاعلام، لخرجت عنده من بقايا ردائي القديم وتغير نسبي تماما ! هذا قبل عامين عندما زرت محافز من غير معرفة فأغرمت بها صدفة من أول لقاء. وقبل عام انجذبت في يوم غائم ماطر وهو من الايام الفريدة أن تشاهد لحظة مطر على هذه الأرض العطشى التي يسكنها الصبر والانتظار طويلا، طويلا، انحرفت مع اشارة السهم الجانبي الى طريق جديد ولوحة جديدة صفراء وواضحة هذه المرة كتب عليها «طوي الخبيص»، عندما سرت عليه كان القار ما يزال طريا، لم يتعود بعد أن يكون ممشى، وكأن النوق التي تلاحظها واقفة على اطرافه من بعيد تفضل أن تكون في مراتعها لا تحاول ان تقترب منه، كأنه ما يزال يسكنها الخوف من هذا الشبح الاسود الذي يكسر لونه القاتم فضاء الصحراء الممتد. بنظرية القياس ظننت ان شارع الطوى التي لا اعرف أين تسكن على يمينه أو شماله، سيعبر نحو محافز فانها في ذات الاتجاه، الا ان الطريق انقطع فجأة، وظهرت عراقيب الصحراء شامخة طويلة تصد أي مقبل نحوها عن العبور الا ان كان متمرسا في مصاعيدها. لم أكن كذلك فانتهيت في المكان الذي انقطع فيه الأسفلت، كل ما شاهدته بداية أو لعله نهاية معالم لوحة صحراوية تزيل عنك الهم وترسم فيك السكينة، ورائحة تراب يهمس لك بالصمت والخشوع. قبل يومين أصابني حنين مدفون نحو محافز، فسرت نحوها، فاذا الحياة التي عهدتها فيها قبل عامين قد تغيرت تماما. توسعت كثيرا محافز، البيوت القديمة بدلت منازل حديثة، والطريق الصامت أصبح مشحونا بضجيج السيارات وحركة الناس، حتى الطريق تغير، ما عاد ذلك القديم المتقطع الذي يسير في اتجاه واحد أصبح عريضا طويلا، في اتجاهين مختلفين وبينهما منطقة وسطى قد تزرع يوما، وقد تضيء مصابيح الكهرباء المعلقة التي سترتفع فيها ذات يوم ظلمة الصحراء، واكتشفت ان ما بعد محافز أجمل، وان ذلك الطريق - طريق طوى الخبيص الذي انقطع بي قبل عام، اصبح اليوم كاملا، لقد وصل الى محافز، بل الى بقاع أبعد كثيرا. لا يتخيل السائر فيها انه يمكن ان يمر فيها شارع معتدل فكيف حال ان يصلها طريق اسفلتي مرصوف مبني على أحدث طراز. ان الصحراء نفسها لا تصدق. قد أكون بالغت، لا أبدا، الذين عرفوا هذه البقعة يشهدون بذلك ان ما حدث فيها معجزة عصرية، وان الذين سيمشون فيها سيتحقق لهم ويرون كيف حدث ذلك وسيتساءلون: أين هذا السحر المكنون عنهم كل هذا الزمن. ان الحياة هنا لها طعم آخر لها مذاق وألوان زاهية وفيها لذة لا نستشعرها في هذا الزمن شديد المرارة، شديد البؤس. في استراحة مقبلة، سنعبر الطريق. طريق ما بعد محافز.