اذا كان شارون قد ارتكب مجزرته في مخيم جنين، وإذا كانت امريكا قد تواطأت معه بكل الوسائل القذرة، وإذا كانت الأمم المتحدة عجزت عن تفعيل لجنة تقصي الحقائق المنحلة. فمن الواجب ألا ننسى جميعا ـ نحن العرب والمسلمين ـ ما حدث. ومن الواجب ان نحفر هذه المجزرة في ذاكرتنا وذاكرة الاجيال واحدا تلو الآخر، وإلا نكون قد شاركنا اسرائيل وأمريكا والأمم المتحدة في اخفاء الجريمة والتستر على القتلة، بل نكون كمن يساعد هؤلاء المجرمين على ذبح المزيد والمزيد منا ومن أولادنا وأحفادنا. ولو أننا حشدنا ذاكرة الاجيال العربية وحفرناها بصور دماء وأشلاء ضحايا المجازر الصهيونية منذ البواكير الأولى، أي منذ مجازر كفر قاسم ودير ياسين، لما سمحت الاجيال اللاحقة بتكرار هذه المجازر في العريش وصبرا وشاتيلا وقانا ثم جنين والباقي أخفى وربما اعظم ان لم نتحرك الآن. ولذا يجب ألا تمر مذبحة جنين مثلما مرت غيرها من المذابح، نفور ونثور وقت ارتكاب الجريمة ثم ننسى ما حدث فيذهب كل منا لينام ويحلم ويتوهم انه ادى واجبه. هذه المرة يجب ان نخلد ذكرى الشهداء والسبل الى ذلك متعددة وكثيرة، ومنها مبادرة كل العواصم العربية الى اطلاق اسم «شهداء مخيم جنين» على واحد من شوارعها المهمة التي يرتادها الآلاف والملايين يوميا. واذا كان المجلس المحلي لمدينة القاهرة قد اطلق اسم الشهيد محمد الدرة فور استشهاده على الشارع الذي تقطنه السفارة الاسرائيلية فليس أقل الآن من اطلاق اسم «شهداء مخيم جنين» على شارع آخر بالقاهرة. يضاف الى ذلك اطلاق الاسم نفسه على مدرسة بكل قرية او مدينة من القرى والمدن العربية المنتشرة بالملايين في ربوع الوطن، لكي تظل جنين بمخيمها وشهدائها معنا ومع أولادنا. طباعة ملايين اللوحات لمشاهد الدمار والخراب التي حاقت بالمخيم وتوزيعها على مختلف المدارس والجامعات ومراكز الشباب والمصانع وغيرها لتأخذ مكانا دائما وأبديا كلوحات نطالعها صباحا ومساء وحتى تتحول هذه اللوحات الى فعل يومي ملازم لمنهج المقاطعة الاقتصادية ومحفز لاستمرارها، وكي لا يأكلنا النسيان ويلتهمنا مثلما التهمنا مرارا فنعاود سيرتنا الأولى وكأنه لم تكن هناك دماء وجثث وأشلاء مقطعة ممزقة تستصرخنا الثأر والانتقام. ويمكن اصدار كتيب يوثق الجريمة الاسرائيلية بالكلمة والصورة. وفي هذا الوقت العصيب تبرز قيمة وأهمية اهل الفن فيمكنهم انتاج فيلم وثائقي عن المذبحة. كما يمكنهم اعداد عمل ملحمي يحيي الذاكرة العربية دوما بهذه المجزرة. ولنا في ملحمة أدهم الشرقاوي التي غناها محمد رشدي وفي أغنيات عبدالحليم حافظ عن السد العالي نموذج يحتذى. فهذه الاعمال افضل من الدموع التي أغرقنا بها أهل الفن خلال أحداث مجزرة جنين. وفي هذا الصدد ادعو الجامعة العربية وأمينها العام عمرو موسى الى اتخاذ خطوات فعالة في هذا المجال، فإذا كانت الجامعة عاجزة عن القيام بحملات اعلامية خارجية لـ «تحسين صورة العرب» فعليها ان تقوم بحشد العرب داخليا تجاه القضية الفلسطينية، ومن واجبها شحن ذاكرتهم وعقولهم وقلوبهم كل يوم بالغضب تجاه ما حدث. وهنا يجب على الجامعة ان تتقدم كل الصفوف الساعية الى تخليد ذكرى هذه المجزرة عبر اقامة نصب تذكاري يتبارى في تصميمه كبار الفنانين العرب ويتم وضع هذا النصب امام الجامعة او في اي مكان آخر، لتكتب عليه اسماء الشهداء واعمارهم وتحفر عليه صورهم مع رواية اسطورة صمودهم ليعرف أولادنا وأحفادنا هؤلاء الابطال الذين استشهدوا وهم صامدون. فهذه البطولات افضل لهم من توم وجيري وابطال الديجتال وغيرها من القصص المجنونة الحافلة بالأكاذيب والخرافات. وعلينا ان نستفيد من تجارب اعدائنا وما فعلوه مع العالم فيما يزعمون انه المحرقة، علينا ان نضع هذا النصب التذكاري ـ بعد اقامته ـ ضمن بروتوكولات الزيارات التي يقوم بها المسئولون والضيوف الاجانب لمبنى الجامعة العربية او للقاهرة ايضا مع اضفاء عادات بروتوكولية مثل لبس الكوفية الفلسطينية أسوة بما يفعله هؤلاء الزوار من اعتمار القبعة اليهودية عند زيارتهم ما يزعمون انهم ضحايا المحرقة. كما يمكن وضع زيارة هذا النصب على لائحة الوفود السياحية، وليس في ذلك مشكلة لتجاور مبنى الجامعة مع مبنى المتحف المصري الذي يحظى بنسبة زوار عالية. واذا كانت الجامعة العربية لا تستطيع الوفاء بقيمة تكاليف اقامة هذا النصب التذكاري فيمكنها الدعوة الى فتح باب التبرعات لهذا الغرض. ولن يتردد عربي او مسلم عن نيل شرف التبرع. فقد اثبتت الاحداث الاخيرة ان الشعوب العربية متعطشة ـ رغم قيودها ـ للجهاد في فلسطين بأرواحها ودمائها وأموالها. من الواجب علينا جميعا كعرب ومسلمين ألا تمر مذبحة مخيم جنين مثلما مرت غيرها من المذابح التي أصبحت اسيرة صفحات التاريخ ولا يسمع بها الناس الا مع حدوث مذبحة جديدة.. فلنبدأ الآن.