على الصعيد العربي القطري او القومي العام يجب توخي ارضاء جميع الاطراف المعنية عن اي نشاط من النشاطات في شتى المجالات، وعلى وجه الخصوص، المجال السياسي. والمجال السياسي هو المجال الذي فيه يوجد من يمارس التأثير ومن يمارس التأثير فيه. وذلك لان عدم رضى طرف من الاطراف من شأنه ان يكون عامل عرقلة عاجلا او آجلا لتحقيق هدف النشاط. عدم الرضى هذا هو خميرة الاختلاف والخلاف والعرقلة بمرور الوقت. ينبغي عدم غض الطرف عن الآثار السلبية التي تترتب على القيام بنشاط لا تقره الاغلبية الكبيرة من الناس. تجب مراعاة وجهات نظر الجميع او الاغلبية الساحقة او الاغلبية الكبيرة عن طريق الحوار الهادف الى التسوية والحلول. ووجوب مراعاة رأي طرف من الاطراف ينطبق على الدولة وعلى الساحة الاقليمية والساحة الدولية. ان صغر حجم دولة من الدول او قلة عدد سكانها او ضعفها الاقتصادي، ينبغي الا يكون مسوغا لاهمال موقف تلك الدولة. فمثل تلك الدولة جزء من كل، ولذلك لا يكتمل الكل دون حضور ذلك الجزء ومشاركته. ومما له صلة بهذا الموضوع اعتبار وحدة المصلحة العربية. مما من شأنه ان يسهم في توطيد اساس هذه الوحدة وفي تعزيز اساس العمل العربي المشترك وفي تعزيز المفاهيم التي تصب في اتجاه توحيد الكلمة العربية او تنسيق العمل العربي، ان يعتاد العرب المحافظة على المكاسب التي حققوها في مجال العمل المشترك على طريق التوحيد سنوات كثيرة. وفي حالة نشوب خلافات بين دول عربية لسبب من الاسباب ينبغي الا يأتي هذا الخلاف على الاخضر واليابس والا يؤدي الى القضاء على المكاسب الصغيرة او الكبيرة التي حققوها خلال سنوات كثيرة او قليلة. ينبغي للعرب ان يتعلموا ان يحافظوا ـ حتى عند نشوب خلافات بينهم ـ على المكاسب التي حققوها في مجال العمل المشترك، وان يعتادوا على جعل ما حققوه ـ حتى لو كان قليلا ـ في منأى عن اختلافاتهم او خلافاتهم الآنية، وألا يجعلوا مكاسبهم التي حققوها سابقا رهينة لمقتضيات خلافاتهم الراهنة. ما حققوه ينبغي ان يكون مدماكا قائما في صرح وحدة الصف او العمل المشترك، بعبارة اخرى، ينبغي الا تؤدي الخلافات الى عودة الاطراف الفاعلة العربية الى المربع الاول من بناء وحدة الصف والكلمة. ثقافة الحوار ومما من شأنه ان يسهل تحقيق رص الصف العربي القيام بالتنشئة على ثقافة الحوار في شتى المجالات. والحوار وسيلة من وسائل توصيل الافكار على نحو غير عنيف. ومن شأن ثقافة الحوار ان تخفف حدة التأزم السياسي والاجتماعي، مما يقلل احتمالات اللجوء الى العنف. ويفتقر المجتمع العربي على الصعيد القطري والصعيد العام الى قدر كبير من ثقافة الحوار. ومما له صلة بالافتقار الى ثقافة الحوار وجود قدر كبير من النزعة الفردية وضعف اسلوب العمل بروح الفريق. عن طريق ذلك الاسلوب يمكن القيام بالعمل على نحو مشترك ومتضافر بما فيه فائدة للجماعة. وعن طريق الحوار تمكن معرفة المصالح المشتركة ومعرفة وسائل تحقيقها. وعن طريق الحوار يمكن ابراز نقاط الالتقاء والاتفاق واعطاء نقاط الاختلاف والخلاف اهمية اقل وتمكن مراعاة وجهات النظر المختلفة والمصالح المختلفة ومراعاة القاسم المشترك الاعظم والاتفاق على العمل انطلاقا من ذلك القاسم. عن طريق اشاعة ثقافة للحوار يمكن التوصل الى حلول توفيقية، مما يفضي الى ارضاء قسم اكبر من المعنيين في سياق اجتماعي معين. ومن طبيعة المجتمع البشري انه توجد فيه مصادر سلطة مختلفة رسمية وغير رسمية او حكومية وغير حكومية في شتى مجالات النشاط والوعي الانسانيين: مجالات الاقتصاد والثقافة والتوجه. وفي كل المجتمعات تتباين هذه السلطات بعضها عن بعض في مدى قوتها وتأثيرها. وما زالت السلطة الحكومية او الرسمية منذ آلاف السنين تمارس تأثيرا اقوى من التأثير الذي تمارسه سلطات غير حكومية. والمجتمعات البشرية، وعلى وجه الخصوص مجتمعات بلدان العالم النامي، تفتقر الى صيغة أو آلة فاعلة تؤدي وظيفة التغذية المتبادلة بين كل السلطات الكائنة، مما يعني تبادل التغذية بين مختلف فئات وشرائح المجتمع. ويمكن لهذه التغذية ان تتم عن طريق اقامة علاقات بين أصحاب السلطات، وتشكل هذه العلاقات وسائل نقل الرسائل ذات المضامين المختلفة بين أصحاب هذه السلطات، وعلى وجه الخصوص بين اصحاب السلطة الرسمية وأصحاب السلطات غير الرسمية وفئات الشعب. وعن طريق هذه العلاقات، وخصوصاً العلاقات الأقوى والأكثر دواماً وكثافة، لابد من ان يتم قدر من المراعاة الديناميكية للآراء والمصالح المختلفة. ومن مصلحة المجتمع والدولة ان تتوفر هذه الآلة. وإذا لم توجد هذه الآلة حدثت انسدادات في قنوات نقل الرسائل تؤدي الى الضغط. وبهذه الانسدادات لا يجري تدفق الرسائل فتبقى الرسائل التي من المفترض ان تنقلها هذه القنوات حبيسة في الصدور، مما يؤدي الى التأزم الاجتماعي والاستقطاب واضعاف أسس التماسك الاجتماعي وتقوية مصادر التفسخ الاجتماعي. تحقيق الرضى ومن طبيعة نشاط المجتمع البشري ان يحاول كل فرد ان يضمن مصلحته وان يحصل على حصته من الرضى أو الاكتفاء الذي يوفره السياق الاجتماعي الاقتصادي السياسي. وليس المقصود بالرضا المادي فحسب ولكن الرضى المعنوي والنفسي. ويدور التنافس بين أفراد وفئات داخل المجتمع على المصالح التي يمكن تحقيقها. واحياناً يكون تقاسم المصالح آنياً، حاصلا في وقت واحد، أي أفقياً من الناحية الزمنية. وفي الحقيقة انه يمكن تصور تشاطر المصالح عمودياً من الناحية الزمنية، أي تقاسم المصالح خلال فترات زمنية. ومن شأن التنشئة على قبول مفهوم تحقيق المصالح على الطريقتين، أي في فترة زمنية واحدة وفي فترات زمنية، الواحدة تلو الأخرى، ان يخفف حدة التنافس بين مختلف فئات المعنيين بتحقيق تلك المصالح. وللتناول الصحيح للظواهر الاجتماعية بالمعنى الأوسع القائمة يجب ان يقر الناس بحقيقة مهمة جداً، هي تعددية الأبعاد للظواهر وتعددية العوامل في ايجادها وبالتالي تعددية العوامل المفسرة لها. والتناول الذي لا يراعي هذه التعدديات يكون تناولاً ناقصاً وذلك لأن من طبيعة أية ظاهرة اجتماعية ان تتعدد ابعادها وان تتعدد العوامل الموجدة والمفسرة لها. وعلى أساس تبني مفهوم تعددية العوامل المفسرة للظاهرة يجب الاحاطة بكل العوامل ليكون من الممكن التفسير الكامل للظاهرة. ولا مفر من ان تشمل هذه العوامل البعد الزمني التاريخي والبعد الجغرافي والبعد القيمي والقانوني والمصلحي، وان تشمل ظروف المحيطين الداخلي والخارجي. وفي تفسير الحالة العربية يجب ان يكون للموقع الجغرافي العربي مكان مهم جداً في تفسير هذه الحالة. فالوطن العربي، لكونه ملتقى القارات الثلاث، مطمع للدول الغربية. ولكونه ملتقى القارات الثلاث وقعت فيه معارك كبيرة في التاريخ بين دول غربي آسيا مثل ايران والدولة العثمانية ودول المماليك في مصر ودول أوروبية، منها روسيا القيصرية والدول التي شنت منها الحملات الصليبية. ولم تتعرض دول اخرى، ليست لديها ميزة الموقع الجغرافي هذه، لهجمات سياسية وعسكرية وثقافية مثل ما تعرضت له دول العالم العربي. وبالتالي كان تأثر تلك الدول بتلك الهجمات أقل من تأثر أراضي العالم العربي. الانطلاق الفكري تتوفر لدى العرب على المستوى القطري والمستوى العربي العام مؤسسات علمية ومؤسسات أبحاث تتناول الحالات والمشاكل الاجتماعية العربية بالمعنى الأوسع، أي الحالات والمشاكل الاقتصادية والسياسية والثقافية والتربوية والنفسية والتاريخية. غير ان هذه المؤسسات غير كافية من الناحية الكمية. وتقل ـ وقد تنعدم ـ في العالم العربي مؤسسات العلم والابحاث التي تأخذ في نهجها بمنهج تعددية العوامل الموجدة والمفسرة لها. عن طريق الأخذ بهذا النهج يتعمق الفهم للحالة القائمة المتسمة بالضعف ويتعزز الفهم لطبيعة العلاقات بين الافراد والفئات وتكون الاستنتاجات أكثر توازناً وواقعية. ولتحقيق نهوض المجتمع لا يكفي انشاء مؤسسات البحوث واجراؤها للبحوث ولكن من الضروري ايضا ان تعمم وتعزز في المجتمع قيم حمل استنتاجات تلك المؤسسات محمل الجد، ووضع الاستنتاجات السليمة الصحيحة موضع التنفيذ واعتبار تلك الاستنتاجات لبنة في مدماك الصرح الاجتماعي المرغوب فيه. وفي فكر العرب ـ شأنهم شأن الشعوب الاخرى ـ مجموعة من مثل وقيم ورموز تراثية وقومية ومذهبية كثيرة تتشابك بعضها في بعض وتشكل هذه اساسا التيارات والحركات الاجتماعية والفكرية بمختلف الوانها ومن شأن الوصف والتحليل ان يبينا ان هذه التيارات والحركات الاجتماعية والفكرية لن يلحقها ضرر اذا ما اوصلنا التحليل الموضوعي الى ان قسما من هذه المجموعة عبارة عن وهم، والى ان ازالة التخلف وتحقيق النهضة يتطلبان التخلي عن قسم من هذه المجموعة. غير ان الناس المعتادين على قبول مكونات هذه المجموعة قد يعادون من يقول بذلك وقد يحاربونه، ولذلك يقل من يتناول هذه المسألة بالبحث والتحليل الجريئين. ومما من شأنه ان يشجع على تناول مكونات هذه المجموعة بالدراسة والتحليل هو الانطلاق من الاعتقاد بتاريخية رؤية الظواهر الاجتماعية. ـ استاذ الدراسات الشرق اوسطية ـ الولايات المتحدة