ارييل شارون وجورج بوش على اقل تقدير يتصرفان وكأن مرحلة المقاومة الفلسطينية المسلحة قد انطوت صفحتها نهائيا لتفسح المجال امام الشريكين الاسرائيلي والامريكي لمرحلة جني الثمار السياسية. فهل حقا استطاع شارون ان يحقق، ومن ورائه دعم دبلوماسي امريكي مكشوف، الهدف الاكبر من حملته العسكرية الضارية التي اطلق عليها «السور الوقائي» ألا وهو التدمير الكامل والشامل «للبنية التحتية للارهاب الفلسطيني»؟ بكلمات اخرى: هل نجح شارون حقا في اصابة جسم المقاومة الفلسطينية المسلحة في عموده الفقري بضربة قاضية؟ حتى هذه اللحظة لا توجد اجابة قاطعة وكاملة عن هذا السؤال رغم النجاح الظاهري للحملة الاسرائيلية في المدن الفلسطينية. وحتى الارقام الصادرة عن قيادة القوات الاسرائيلية لا تعطينا اجابة نهائية. حصيلة عمليات القتل والاغتيال بين الفلسطينيين حتى الآن تفيد بأن عدد القتلى الاجمالي للفلسطينيين يتراوح بين 300 و500 وأن عدد الفلسطينيين المعتقلين لدى القوات الاسرائيلية يبلغ نحو خمسة آلاف. لكن الأرقام في حد ذاتها ليست لها قيمة ما لم تكن مصحوبة بتفصيل تفسيري. ولكي نعرف الى اي مدى نجحت الحملة الاسرائيلية في تدمير البنية التحتية البشرية لفصائل «فتح» و«حماس» و«الجهاد» وغيرها فإن الارقام المطروحة لاعداد القتلى والمعتقلين يجب ان يصاحبها بيان يوضح كم تبلغ نسبة الكوادر الناشطة بين هؤلاء القتلى والمعتقلين: هل هي واحد في المئة أم تسعون في المئة؟ السلطات الاسرائيلية لم تشأ حتى الآن ان تصدر مثل هذا البيان مما يرجح شكا بأن القوات الاسرائيلية ربما لم تظفر باعداد كبيرة من الكوادر الناشطة وإلا لأثارت ضجة دعائية عظمى على الصعيدين الاسرائيلي والعالمي. لذا.. ربما لا تظهر الحقائق الكاملة بشأن مغزى ومدلولات الارقام المشار اليها الا مع مرور الايام والاسابيع. لكن ارييل شارون وجورج بوش منغمسان في مزاج احتفالي استعدادا للمرحلة التالية الفورية: مرحلة املاء الشروط السياسية على الشعب الفلسطيني وقيادته على اساس فرضية استسلامه. هذا هو مغزى زيارة شارون الى الولايات المتحدة هذا الاسبوع على خلفية تعبئة سياسية امريكية غير مسبوقة على الصعيدين الرسمي والشعبي للتضامن الشامل مع اسرائيل. شروط شارون السياسية التي تؤيدها ادارة بوش دون تحفظ بناء على توافق مسبق بين الطرفين كما يبدو تتمحور حول الاجهاز نهائيا على فكرة قيام دولة مستقلة للفلسطينيين. فكل البنود المطروحة على القائمة الشارونية محصورة في اطار ترتيبات امنية ـ مثل اقامة سلسلة مناطق عازلة في اراضي الضفة وغزة لحماية اسرائيل من الهجمات الفلسطينية مستقبلا. وعلى القيادة الفلسطينية ان توقع مع الطرف الاسرائيلي ـ تحت «الرعاية» الامريكية ـ على اتفاق يتضمن هذه الترتيبات الامنية الاحادية. يرى شارون ـ ومعه بوش ـ ان يمتد امده الزمني الى ما بين خمس وسبع سنوات. وهذا بالطبع يتطلب «تأجيل» التفاوض حول قضايا مصير القدس ومصير اللاجئين وحدود الدولة الفلسطينية المقترحة. لكن لماذا يصر شارون على استبعاد عرفات من العملية التفاوضية المقترحة؟ هنا نجد ما يبدو انه «توزيع ادوار»: شارون يطالب بقيادة بديلة عن عرفات. بوش يوبخ عرفات قائلا: انه «ليس جديرا بقيادة شعبه». وبينما يصر شارون على مطالبته يعود بوش ليقول ان عرفات، رغم كل شيء لا بديل عنه كشريك تفاوضي. والمغزى واضح. فالرئيس بوش يمثل دور «الحامي» لعرفات من «جنون» شارون. والرسالة موجهة الى عرفات ليثبت انه جدير بحماية واشنطن عن طريق قبول كل ما يطلب منه من تنازلات متفق عليها سلفا بين الحكومة الاسرائيلية والادارة الامريكية. لكن كل هذه المناورات والفرضيات مبنية على افتراض ان الانتفاضة الفلسطينية صارت في ذمة التاريخ. فهل فعلا انتهت الانتفاضة وتلاشت المقاومة الى الأبد؟ أم انها كامنة لتنطلق لاحقا كإعصار فجائي كما بدأت كذلك في سبتمبر عام 2000؟