نجاح الرئيس الفرنسي جاك شيراك في الدورة الثانية للانتخابات الأحد الماضي متغلبا على اليميني المتطرف لوبن ليس غريبا، لأنه لم يحصل على هذه النتيجة الكبيرة بفضل أصوات ناخبيه من يمين الوسط في فرنسا، بل حصل على هذا النجاح بفضل أصوات ناخبي الأحزاب اليسارية أيضا على تعددها، فهي ليست حزبا واحدا بل أحزابا متعددة وهذا التعدد كان السبب في فشل مرشح الحزب الاشتراكي جوسبان في الوصول الى الدورة الثانية وخروجه من على خريطة السياسة الفرنسية، عندما صوت ناخبو اليسار لجاك شيراك فعلوا ذلك ليستخدموه أداة لابعاد اليمين المتطرف النابع من الأيدلوجية اليمينية المسيطرة في أوروبا، والتي لا يخلو منها برنامج شيراك نفسه، بل كان هو السبب في ابراز لوبن ودفعه الى الفوز في الدورة الأولى، فالطريق اليوم الى السلطة في أوروبا الديمقراطية لا يمر الا عبر العداء السافر للأجانب. النتيجة النهائية لتلك الانتخابات أن كلاً منهما استخدم الآخر لتحقيق أهدافه الخاصة، شيراك استخدم أصوات اليسار ليفوز بالتجديد له في منصب رئاسة الجمهورية في فرنسا، واليسار استخدم شيراك لوقف زحف اليمين المتطرف! ان قراءة متأنية لما حدث خلال الشهر الماضي، يمكن الوصول الى الحقيقة أن اليمين المتطرف يزحف باتجاه السلطة، ليس في فرنسا وحدها، بل في كل أوروبا، وليس على المرء سوى النظر الى الخريطة السياسية لمشاهدة ألوان الأحزاب المتولية السلطة فيها، سنجد أن اليمين «المتطرف» يتقدم بخطوات ثابتة لاحتلال السلطة في العديد من الدول الأوروبية التي كانت حتى وقت قريب تؤمن بحكم اليسار، أو تتبادله مع اليمين، ولا يغر المرء أن يرى اليمين المتطرف واضحا في فرنسا وحدها، فهذا اليمين المتطرف موجود في الدول الأخرى ولكن تحت غطاء «يمين الوسط»، لأن هذا المسمى باسم يمين الوسط نجح في ضم اليمين المتطرف دون ضجيج، فيما فشل «يمين الوسط» الفرنسي في تحقيق هذا الهدف. اذا كان بروز اليمين المتطرف بقوة في فرنسا خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة تسبب في رج المياه السياسية الآسنة في أوروبا وحولها الى أمواج متلاطمة، فان هذا يعود الى أن اليمين الفرنسي الذي يعيش منقسما على نفسه بخلاف اليمين في الدول الأوروبية الأخرى، فلا يزال شيراك يجلس على كرسي الرئاسة الفرنسية بفضل تجمع من الأحزاب، تلك التي يطلقون عليها اسم «يمين الوسط»، وهي تسمية لا تعكس حقيقة الأيدلوجيات التي تؤمن بها تلك الأحزاب حقيقة. وصل شيراك الى رئاسة الحكم في فترة رئاسته الأولى على رأس تجمع من هذه الأحزاب اليمينية، ولم يكن ممثلا لحزب واحد، وهذا الوضع نفسه هو الذي وضع الزعيم المتطرف لوبن على قائمة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، لأنه ببساطة لم يكن ممثلا في السلطة اليمينية التي يقف على رأسها شيراك. ثم جاء خوف شيراك من هروب الأصوات اليمينية منه مما يجعله في موقف صعب أمام جوسبان الذي حقق الكثير من الانجازات خلال فترة رئاسته للوزارة على الرغم من الصراع الخفي بين رئاسة الوزراء ورئاسة الدولة لاختلاف أيدلوجياتهما، هذا الخوف جعل شيراك يضع قضية «الأمن الداخلي» على رأس القضايا التي يطرحها برنامجه الانتخابي، فهو من ناحية يشكك في قدرة الحكومة الاشتراكية بقيادة منافسه جوسبان على تحقيق هذا الأمن، فيكسب أصوات المعارضين للحكومة الاشتراكية، ومن ناحية اخرى يمكنه تجميل برنامجه أمام المترددين في الذهاب الى صناديق الاقتراع، وهم يمثلون نسبة كبيرة. لكن بقيت أمام شيراك قضية الأصوات اليمينية المتطرفة التي تجد في «لوبن» زعيمها الطبيعي، وهذا يعني أن المنافسة على تلك الأصوات يجب أن تكون من خلال التنافس مع برنامج اليمين المتطرف نفسه، من هنا قرر شيراك استخدام «المهاجرين» كسلاح في هذه المعركة، ولكن ليس كسلاح ايجابي ضد الجانب السلبي الذي يتعامل به اليمين المتطرف في هذه القضية، واذا به يستخدم لغة اليمين المتطرف نفسها متهما المهاجرين بأنهم سبب كل الجرائم التي تقع في فرنسا يوميا (!). برنامج شيراك في هذه النقطة بالذات لا يفترق في كثير أو قليل عن برنامج لوبن، سوى أنه حاول التخفيف من وقعها من خلال مطالبته بهجرة منظمة، أي طرد المهاجرين غير الشرعيين وتنظيم وجود المهاجرين الشرعيين، وهذا بالطبع لا يرضي اليمين المتطرف الذي لا يقبل هذه القسمة، فالمهاجر بالنسبة لليمين المتطرف مرفوض شرعيا كان أو غير شرعي، ومرفوض اكثر لو كان ينتمي الى دول العالم الثالث أكثر من رفضه لو كان ينتمي الى دولة أوروبية، حتى لو لم تكن عضوا في الاتحاد الأوروبي، ويرى في المهاجر العربي والمسلم بشكل خاص خطورة تجعل التخلص منه ولو بالتصفية الجسدية أمرا مقبولا، وملفات القضاء الفرنسي حافلة بالقضايا التي راح ضحيتها مهاجرون من أصول جزائرية او مغربية ولم يتم وضع مرتكبيها وراء القضبان حتى هذه اللحظة. تردد الرئيس جاك شيراك في الاعلان عن نواياه بشكل واضح كما يفعل اليمين المتطرف لم يكن يرجع الى اختلاف القناعات، بقدر ما تفرضه عليه السياسة الرسمية للدولة التي يمثلها والتي لها علاقة وثيقة بالعديد من الدول العربية والاسلامية، وهي علاقة يفهم شيراك كرجل دولة أنها تصب في مصالح فرنسا بشكل ايجابي، بل بعض الدول العربية ترى في سياسة فرنسا تجاهها بديلا عن التعنت والاهمال، بل والعداء الذي تلقاه من جانب الولايات المتحدة، من هنا لم يكن باستطاعة شيراك أن يعلن مثلا ما أعلنه لوبن من أنه «يقبل باقامة مسجد في باريس لو قبلت السعودية بناء كنيسة في مكة» (؟!). وان كانت مثل هذه التصريحات غير مقبولة في التعامل الرسمي بين الدول فانها تصريحات «ديماجوجية» تصب في الاحساس العارم بالوطنية والدين، وهما السلاح الذي يستخدمه اليمين المتطرف للوصول الى السلطة، فالوطنية والدين ليسا سوى وسيلة لا أكثر. فشل جاك شيراك في احتضان اليمين المتطرف وضم أصواته الى صندوقه الانتخابي كان نتيجة لهذا التردد بين استخدام وسائل هذا اليمين المتطرف ومردود هذا الاستخدام دوليا، لأن لفرنسا مكانة تختلف كثيرا عن تلك المكانة التي تتمتع بها دول أوروبية أخرى يستخدم حكامها اللغة المتطرفة ضد المهاجرين أو «الاثنيات» الأخرى غير الأوروبية للوصول الى السلطة، وهذا هو الاختلاف الوحيد بين اليمين الذي يمثله شيراك والأحزاب اليمينية الأخرى في أوروبا. لو نظرنا الى الدول الأخرى التي وصلت فيها الأحزاب اليمينية الى الحكم لوجدنا أن اليمين يحكم في ايطاليا واسبانيا والبرتغال، ويعتقد العديد من المراقبين أن ألمانيا مقبلة أيضا على انتخابات قد تكون الأخيرة في تاريخ شرويدر ومرافقيه من الأحزاب الملونة التي تدعمه في فترة حكمه الحالية. بل يمكننا القول أن الحاكم الفعلي في ايطاليا واسبانيا ينتمي الى اليمين المتطرف الذي يحمل أفكارا لا تختلف عن أفكار لوبن، فالسيد بيرلسكوني وصل الى السلطة في ايطاليا بفضل استخدامه للعداء للأجانب، وبشكل خاص العرب والمسلمين، ولا تزال تصريحاته ضد الاسلام تتردد في العديد من التحليلات السياسية على الرغم من تراجعه «شكليا» عنها، ومحاولاته تجنب العودة اليها لأنها ببساطة ليست اللحظة المناسبة التي يجب أن يقولها صراحة. لكن لا يمر أسبوع الا وبعض أعوانه يعلنون تصريحا أو تلميحا انه لا بد من طرد الأجانب من البلاد، واغلاق الحدود في وجوههم، وبشكل خاص هؤلاء القادمين من دول تدين بالاسلام، لأن الاسلام، في رأيهم، هو الخطر القائم في عالم ما بعد سقوط جدار برلين واختفاء الشيوعية كعدو رسمي للغرب بشكل عام. أما في اسبانيا فقد تحولت الهجرة، والهجرة المغاربية بشكل خاص، الى سلاح في يد الحزب اليميني الحاكم والذي ينتمي اليه رئيس الوزراء الحالي خوسيه ماريا ازنار، ويؤكد المحللون ان عدم وجود حزب يميني متطرف بارز في اسبانيا يعود الى أن الحزب الحاكم نفسه يفسح مكانا بارزا داخله لهذا التطرف، بل ويستخدمه من أجل الحصول على المزيد من التأييد ليبقى في السلطة لأطول فترة ممكنة. برز هذا واضحا في تعامل حكومة خوسيه ماريا ازنار مع أول عمدة «مسلم» في مدينة «مليلة»، الدكتور مصطفى أبرشان، الذي عانى التجاهل من جانب الحكومة المركزية التي وضعت العقبات أمام قيامه بمهام منصبه، ووصل الأمر بالحزب الشعبي اليميني الحاكم في مدريد الى حد التحالف مع حزب «فاشستي» معروف لابعاد الدكتور مصطفى عن منصبه الذي فاز به خلال انتخابات «ديمقراطية»، وكل جرمه انه مسلم وينتمي الى أصول مغربية (؟!)، ولم يشفع له أن الدستور الوطني الاسباني يمنحه الحق في الترشيح لهذا المنصب. تكرر هذا خلال الانتخابات المحلية التي جرت قبل ثلاث سنوات، حين رفض الحزب اقصاء عمدة مدينة «الايخيدو» عن قوائمه الانتخابية بعد التصريحات المليئة بالحقد والداعية الى كراهية المهاجرين المغاربة، والتي على أثرها قامت جماعات مسلحة بالعصي والأسلحة البيضاء بمطاردة المهاجرين واحراق مساكنهم علنا وأمام عدسات التلفزيون ووكالات الأنباء العالمية!. كان التبرير الذي قدمه سكرتير عام الحزب وقتها أن المهاجرين هم السبب في هذه المعركة الدموية (؟!)، بل وطالب المهاجرين بقبول وتنفيذ مطالب «المجرمين» الذين قادهم العمدة بنفسه، ومنها الاقامة في «أماكن محددة» بعيدا عن المدينة، أي تركهم على هامش الحياة بعد أن يقدموا المطلوب منهم كعمال يمارسون الأعمال الحقيرة التي لا يقبلها المواطن الاسباني، أو مغادرة البلاد. بالطبع هذا التبرير كان كاذبا وأول من كان يعرف أنه يجافي الحقيقة هو سكرتير الحزب نفسه، لكنه كان يعرف أن هذه الممارسات التي لا تصدر سوى عن «يمين متطرف» سيكون مردودها الانتخابي كبيرا، وحدث بالفعل أن عمدة تلك المدينة المحرض على كراهية العرب والمسلمين، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الاسباني نفسه، حصل على الأغلبية المطلقة خلال الانتخابات المحلية. بل الأكثر من ذلك أن رئيس الوزراء خوسيه ماريا أزنار الذي أعلن، وان كان بصوت خافت، عن رفضه لفوز اليمين المتطرف في فرنسا، الا انه استخدم سلاح «اهانة المهاجرين» لتبرير ارتفاع نسبة الجريمة وعدم قدرة وزارته على تحقيق الأمن في البلاد، فقد أعلن في البرلمان عدة مرات أن ارتفاع نسبة الجريمة يعود الى زيادة عدد «المهاجرين» في البلاد، واستخدم في هذا التبرير أرقاما ادعى أنها رسمية ثم تبين أنها تخالف الحقيقة، بل تتناقض مع الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية وهي احدى وزارات حكومته. أوروبا تمر بأزمات مركبة، ما بين أزمة أيدلوجية نابعة من سقوط الاتحاد السوفييتي، وبالتالي فشل الاشتراكية الواقعية كنظام حكم، حتى تداخلت برامج الأحزاب اليسارية مع برامج الأحزاب اليمينية، تبعها أزمة اقتصادية زادت من معدلات البطالة، ثم جاء استخدام الاعلام الغربي بلا استثناء لأحداث 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن لخلق «عدو» جديد يحتل الفراغ الذي تركته الشيوعية، كل هذا أدى الى البحث عن أي وسيلة لاجتذاب الصوت الانتخابي بأي وسيلة وبأي ثمن، وحاليا أسهل وأقل الطرق صعوبة للوصول الى السلطة يمر من خلال «كراهية الأجانب». ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا