كنت أظن ـ وبعض الظن إثمٌ ـ أن للشرطي وجهاً واحداً متجهماً دائماً وقلباً صلداً من شدة القسوة، كأحدى لزوميات دوره في الحفاظ على الأمن أو بالتعبير الأمني: صرامة الضبط والربط، ضبط الأمن بتوقيف الخارجين عليه، أو حتى المشتبه بهم من الابرياء أصحاب الحظ السييء. وترسخ في أذهاننا، عبر ميراث تاريخي، لا حيلة لنا في تغييره، إن العسس ـ وهي كلمة مشحونة بكل صور القمع والتوسع في ممارسة السلطة ضد الأبرياء، لدرجة ان تغنت أمثالنا الشعبية بمفارقات العسس، ووضعتهم في صف العداء للمواطن البسيط، أو للمثقف الجريء، لدرجة صار قولاً سائداً: «ما أكثر المظاليم في الحبس» أو بالعامية المصرية «ياما في الحبس مظاليم». ولشيوع تلك السلبية لرجال «الضبطية» أو العسس، وكثرة نوادرها ومفارقاتها التاريخية، لجأت أجهزة الأمن لاستخدام تعبيرات ملطفة ومهدئة لمشاعر الخوف الجماهيري من «العسس» من قبيل الشرطة في خدمة الشعب، حتى لو لم تحمل أي مضمون أو تغيير حقيقي لتلك العلاقة المثيرة لمشاعر السخط والتمرد والشكوى من الظلم. ورغم كل ما تحفل به الدساتير والقوانين الوطنية والدولية من مباديء وبنود تصون حقوق الإنسان، إلا ان المحك الأصيل للوجه الحضاري لرجل الشرطة أو العسس يكمن في السلوك اليومي، وما نراه في الشارع من تجارب. وأعترف انني لم أتخلص من كل الهواجس التاريخية السلبية تجاه رجل الشرطة، إلا عندما واجهت موقفاً صعباً قادتني إليه مصادفات حتمية حداثة الخبرة بقيادة السيارات؛ التي وضعتني وصديقا في مأزق حقيقي وسط الطريق الرئيسي بين دبي والشارقة. بدأت القصة احتفالية بحصول صديقي على رخصة قيادة السيارات، بعد ثلاث محاولات مضنية وامتحانات، نتندر عليها لصرامة دقتها بأنها أصعب من نيل شهادة الدكتوراه، وبسرعة فائقة استأجر سيارة للتمتع بممارسة حقه كحامل لهذه الرخصة، دونما انتظار لاجراءات شراء سيارة. وبسبب حداثة التجربة ومكر صاحب مكتب تأجير السيارات، لم يدرك صاحبنا ان السيارة نفد وقودها، إلا قليلاً، وفوجئنا في وسط الطريق وفي مواجهة مقر قيادة شرطة دبي بالسيارة تتوقف، ويتوقف معها قلبانا، ورحنا نضرب أخماساً في أسداس، وفجأة ظهر شرطي المرور بدراجته النارية، وفي رد فعل تلقائي موروث من خبرة التعامل التاريخية، توقعنا أن يكون أول سؤال يوجهه لنا ووجهه متجهم: أين رخصة القيادة؟.. أين رخصة ملكية السيارة؟.. ولماذا...؟ وأسئلة استجوابية لن تنتهي إلا ونحن في أحد مخافر الشرطة متهمين بتعطيل حركة المرور... أو غيرها من التهم الجاهزة. لكن، كنسمة ربيعية، وندى الفجر الرطب وبابتسامة حانية، تليق بملاك للرحمة، أو بأب نفد صبره في انتظار ابنه، تقدم نحونا الشرطي: أيه المشكلة؟ وقبل أن يجيب أحدنا، فهم بأريحيته أن صديقي حديث العهد بالسيارات، وراح يفتش بنفسه عن سبب التوقف، بداية من قياس زيت الموتور وانتهاء بالوقود، وقال: السيارة بلا وقود، رغم اصرار صديقي على ان مؤشر الوقود يعمل عكسياً، كما أفهمه مكتب التأجير. ولأننا في منطقة تبعد كثيراً عن أقرب محطة للوقود، لم يكن أمامنا خيار سوى ترك السيارة واستئجار «تاكسي» حتى لا نتأخر عن دوامنا الرسمي، لكن الشرطي المبتسم دائماً، فاجأنا مرة ثانية بالذهاب للمحطة واحضار الوقود في زجاجة مياه فارغة، ولم يتركنا إلا بعد ان أوصلنا للمحطة القريبة حتى دون ان يسمع كلمة شكر واحدة، أو يروي عطشه بعد أن أرهقناه معنا.. فقط قال لنا: أنتم ضيوفنا، ولزميلي: انتبه للوقود قبل ان تقود سيارتك. لهذا الشرطي، ولغيره ممن يجسدون وجهاً حضارياً للشرطة، ندين بالشكر ونعتذر عن كل الهواجس التاريخية التي زرعها في وجداننا «قراقوش» المملوكي وأحفاده.