يبدو أن كثرة الحديث عن التحديث والحداثة في مجتمعاتنا العربية تؤدي الى ضبابية مفهوم التحديث نفسه، والخلط بين بعض مظاهره وجوهر العمليات الفاعلة المقترنة به، ولذلك فإنه بالقدر الذي لابد من تأكيد تلازم التحديث المادي مع الحداثة المعنوية، لابد من تأكيد أن استكمال عمليات التحديث وتطويرها يعتمد على المبادئ التي تتضمنها الملاحظات التالية: أولا: إن عملية التحديث لا تتجسد إلا في إرادة مشتركة تشمل كل طوائف المجتمع ومجالاته، بلا تمييز بين طائفة وأخرى، أو رجل وامرأة، أو صغير وكبير، أو عالم ومتعلم، ولا ينجح التحديث، أو يكتمل، اذا تحول الى مهمة ينهض بها فريق على حساب غيره، أو اقتصرت فوائده على شريحة اجتماعية قادرة على حرمان غيرها من الشرائح غير القادرة، فالتحديث عملية لابد أن يسهم فيها الجميع كي يعود نفعها على الجميع. ثانيا: إن شمول عمليات التحديث والحداثة في تعدد جوانبها المادية والمعنوية ينبغي أن يجعل منها عملية متفاعلة العناصر متجاوبة المجالات، التي تشمل التعليم والثقافة في موازاة الاقتصاد والسياسة مع العلاقات الاجتماعية وأدوات الانتاج المعرفي. ولا انفصال في هذا المجال بين التقدم العلمي وتوسيع رقعة الممارسات الديمقراطية، والعلاقة وثيقة بين قوة مؤسسات المجتمع المدني ورسوخها وحيوية مجالات الابداع العلمي والفكري وحرية العاملين فيها. ثالثا: إن خصوصية مجتمعنا في علاقته بتاريخه الموغل في القدم وحاضره الذي لا يمكن إغلاقه عن العالم المعاصر تجعل عمليات التحديث والحداثة في أوطاننا العربية عملية مركبة، تهدف الى تحقيق أهداف ثلاثة في وقت واحد: ـ ازاحة المعوقات الموروثة عن سلبيات الماضي. ـ المواجهة الجسورة لمشكلات الحاضر في كل مجال مادي ومعنوي. ـ تسريع إيقاع العمل لتدارك الاتساع المتزايد في المسافة التي تفصل بين عوالم التخلف وعوالم التقدم التي أصبحت تعيش أزمنة ما بعد الحداثة والتحديث. رابعا: إن الخبرة التاريخية تقول لنا إن بداية التحديث المادي هي الفكر الذي ينبغي أن يتجدد في كل مجال، سواء في التعليم الذي يشبه الثقافة في كونه قاطرة المستقبل، أو في الاطار السياسي الذي ينبغي أن يتجدد ليستجيب الى رغبة التطور عند المواطنين ويغذيها بما يجعل الدافع الى التحديث دافعا وطنيا عاما، أو في الوعي المدني الذي ينبغي أن يتحرر من الخرافات التي تعرقل تقدمه. خامسا: في عصر ثورة المعلومات، أصبحت التحولات على الصعيد الثقافي حاسمة في إنجاز التطور المنشود، فالمعرفة هي كلمة السر التي تفتح الأبواب المغلقة في زماننا، والثقافة أصبحت منتجا استراتيجيا شأنها في ذلك شأن منتجات المعرفة الالكترونية. واذا كانت الدولة في بعض الأقطار العربية حققت منجزات رائعة على صعيد تطوير البنية الأساسية في المجالات الثقافية والمعرفية فإن هناك شرطين أساسيين لا غنى عنهما لاستكمال هذا الانجاز وتطويره: أولهما: إطلاق طاقات الابتكار والإبداع الفكري والفني والعلمي لدى الانسان العربي، خصوصا بعد أن لم يعد أمامنا من الوقت ما يسمح بالتردد أو التهاون. أما الشرط الثاني فيتصل بالشفافية الكاملة في المجتمع، وحرية تداول المعلومات، والقضاء نهائيا على أي شكل من أشكال الفساد أو العبث أو التساهل في حياة الناس وأرواحهم، وهنا تأتي مسئولية الدولة بالدرجة الأولى، فعليها يقع عبء تطوير مرافق المعلومات، وتغيير البنية التشريعية بما يحقق التدفق المرن واليسير للمعلومات، وتطهير أجهزة الدولة من كل ما يعوق عمليات تحديثها، أو يجعل منها عمليات مظهرية. سادسا: إن التحديث ليس عمليات لحظية تبدأ في لحظة محددة، وتنتهي في لحظة أخرى، وإنما هو عمليات مستمرة متجددة، ولذلك لابد من الحفاظ على قوة دفع دائمة ومتجددة لعملية التنمية، وعلى مصادر حيوية لا تكف عن تزويد عمليات التحديث بالطاقة التي تجعل منها عمليات مستمرة متصلة دائمة لا تتوقف إلا بتوقف الحياة نفسها. لقد أردت بالملاحظات السابقة تأكيد ضرورة وصل التحديث بالحداثة، الأمر الذي تحتمه المآسي القومية التي نشهدها، خصوصا في فلسطين المحتلة حيث الارهاب الاسرائيلي. وهي المآسي التي يدفعني الوعي بها الى تكرار الاشارة الى حتمية عمليات التحديث والحداثة بوصفها أولى أسلحة النصر في معركة المصير القومي، وفي معركة الوجود اليومي في حياتنا العربية من المحيط الى الخليج. ولاشك أن الكثير من القراء يوافقونني على أن المراحل المقبلة من حياتنا تتطلب منا جميعا الكثير والكثير، فمسئولية التحديث والحداثة ليست مسئولية الدولة وحدها بل مسئولية الدولة والمواطنين في وقت واحد، والمرأة والرجل دون تمييز ولا أفضلية، فهي مسئولية مجتمع يحتاج الى تغيير في المفاهيم الاجتماعية، وتطوير للقيم السلوكية، واصلاح للممارسة السياسية، وتثوير للمجالات العلمية والثقافية والاعلامية. إن المستقبل يدعونا اليه، ويدفعنا نحو آفاق تطوره التي لا حدود لتقدمها، ولا سبيل أمامنا سوى أن نستجيب الى نداء المستقبل، فالمستقبل هو الحياة الواعدة والنكوص عنها جريمة لا يمكن أن يقترفها عاقل في زمن تغير كل شيء فيه.