وفي بيت لحم تبنت مجموعة مسيحية مسلحة، أشهرت نفسها مؤخرا باسم «سرايا الدفاع عن كنيسة المهد، مسؤولية إطلاق نار أوقع ثلاثة جرحى في صفوف الجنود الإسرائيليين قرب كنيسة المهد». خبر صغير بثته وكالات الأنباء ضمن سيل الأخبار التي تتدفق من الأرض المحتلة كل صباح كما تتدفق دماء أبنائها زكية تعطر أرض فلسطين بأريج الشهادة، وكان مفهوما أن تغطي بشاعة مشهد حصار مكان مثل «كنيسة المهد» بكل ما تعنيه لكل مسيحي في العالم، على دلالة خبر كهذا وكان من الطبيعي أن تكون المعلومات المتاحة قليلة عن مثل هذه الجماعة التي اختارت العمل المسلح بما يعنيه ذلك من فرض السرية على كل ما يتصل بها من معلومات. كل ذلك كان طبيعيا ومفهوما، أما أن تتعامل بعض منابرنا الإعلامية مع الحدث كما لو كان انقلابا لا سابقة له في تاريخ المقاومة الفلسطينية فهذا ما يبعث على القلق الشديد بشأن مدى وعى شرائح كثيرة من المجتمع العربي، بينهم «إعلاميون محترفون» يجيدون التعامل مع الوقائع مفصولة عن أي سياق عام، وهذه المعالجة تعني أن بعضنا ابتلع الطعم الصهيوني الذي ابتلعه قبلا مسيحيون عرب ظنوا التحالف مع المشروع الصهيوني، أو على الأقل الوقوف منه موقف الحياد، يمكن أن يحقق لهم مكاسب سياسية أو يجعلهم بمنأى عن آلة البطش الصهيونية. تذكروا أنطون داود عندما بدأت انتفاضة الأقصى قبل أكثر من عام لم يدرك كثيرون مغزى أن تتعرض مدن فلسطينية يشكل المسيحيون أغلبية سكانها لهجمات شرسة من الجيش الصهيوني، وإذا كان المسجد الأقصى يمثل رمزا من رموز الصراع قادرا أكثر من أي رمز آخر على تكثيف المعنى وتبسيطه في آن واحد، كما أنه ينفرد بقدرة على إثارة حماس رجل الشارع المسلم لا ينافسه فيها رمز فلسطيني آخر، فإن هذا لا يعني أن حركات المقاومة الإسلامية لا ترى شواهد الوجود المسيحي في فلسطين، في القدس وبيت لحم وغيرهما أو لا تولي نحوها الأهمية نفسها، والسبب ببساطة أن ذلك واجب شرعي ليس متروكا للتقدير الشخصي أو المشاعر. ومنذ أن بدأت الهجمة الاستيطانية الصهيونية الشرسة كان لمسيحيي فلسطين أدوار في عمليات المقاومة ينبغي لفت النظر إليها في هذه المرحلة من مسار الصراع، وقد شهد الحادي عشر من مارس عام 1948 ضربة هي من أقسى ما وجه للوجود الصهيوني على الإطلاق نفذها مسيحي فلسطيني هو أنطون داود، كان أنطون يعمل سائقا لدى القنصل الأمريكي العام بالقدس، وكان معروفا لكثير من رجال الهاجاناه وجعله عمله موضع ثقتهم، غير أنه - وهذا هو الأكثر أهمية - كان موضع ثقة حركة المقاومة الفلسطينية التي كان عمادها آنذاك تنظيمات إسلامية ورموزها من علماء الإسلام ودعاته. واهتزت القدس وكان أنطون لا يبدي أي اهتمام بالصراع الدائر على أرض فلسطين ويعمل في صمت لكسب ثقة القنصل الأمريكي، وفي صباح الحادي عشر من مارس ركب أنطون سيارة القنصل الأمريكي (فورد موديل 1947) والعلم الأمريكي يرفرف عليها واتجه إلى مبنى الوكالة اليهودية الذي كانت تحرسه قوات الهاجاناه وسمح له رجال الهاجاناه بالدخول دون أي إجراء أمني، ولم يتصور أحد أن في الصندوق الخلفي لهذه السيارة قنبلة زمنية تبلغ زنتها مائتي كيلو جرام، واهتزت القدس بهذا الانفجار الكبير الذي دمر عدة مبان يهودية مهمة وقتل أكثر من ثلاثين صهيونيا. وعندما طلب من القائد المعروف فوزي القاوقجي أن يتولى مسئولية الدفاع عن مدينة يافا في المعارك التي سبقت إعلان الدولة الصهيونية مباشرة ووجد أن قائدها غير قادر على حمايتها عزله وأسند قيادتها إلى «ميشيل العيسى» وإذا كان السياق لا يتسع للحصر والإحصاء فإن مثل هذه الوقائع ـ العلامات تضع ميلاد «سرايا الدفاع عن كنيسة المهد» في سياقه الصحيح. ـ كاتب سياسي من مصر