عام ونصف بالتمام والكمال فصلت بين خروج الشعوب العربية الى الشارع، تعبيرا عن نصرتها للشعب الفلسطيني المنتفض، في أكتوبر 2000 وابريل 2002، بين هذين الشهرين اتسم تحرك الشعوب بقدر كبير من الرتابة والهدوء. غابت التظاهرات الحاشدة، ولولا بعض الأنشطة المنظمة بمعرفة القوى المدنية العربية هنا وهناك، لما سمع أحد شيئا يدل على أصداء قوية لفعاليات الانتفاضة والارهاب الصهيوني المزمن بين يدي البنية التحتية الشعبية للعالم العربي. استمرارية الانتفاضة من جهة ورتابة رد فعل الرأي العام العربي الشعبي من جهة أخرى، اثارا تفسيرات شديدة التعارض. فمن قائلين بأن الشعوب العربية عبرت عن تضامنها ثم أبت الى بيات شتوي طويل، تراقب فيه معالجة النظم للقضية الفلسطينية الى قائلين، بأن التآزر العربي لن يتجاوز الى ما هو أبعد، بحكم ضعف الوازع القومي والتفات الشعوب الى مصالحها القطرية بالمعنى الضيق، الى قائلين بأن النظم العربية تمكنت من ضبط الشارع العربي وتحويل غضبته الى مسارب جانبية تبعده عن التفاعل مع فلسطين وتحصره في مجرد الانفعال بها، والتفاعل أمر يحرجها بينما الانفعال مؤقت ويمكن تفريغ شحنته سريعا. ومن الملفت أن بعض من حيرتهم ظاهرة السكون الشعبي غداة فورة أكتوبر 2000، عند بواكير الانتفاضة، ذهبوا الى أن الصلة بين تلك الفورة والانتفاضة ضعيفة من الأصل، فالانتفاضة كانت مجرد ذريعة اتخذتها الشعوب للتنفيس عن مكنونات أخرى للغضب تتفاعل في الصدور. والا ما معنى هذا الصمت المذهل، بينما الانتفاضة حدث لم يزل قائما على مدار الساعة؟! كان صمت الشارع العربي ظاهرة مثيرة حقا. تدعو للدهشة والتأمل. وبالنسبة للعاطفين على دعوة المواجهة القومية الشاملة للعربدة الصهيونية، التي لن تستثني أحدا أن ظلت طليقة بلا قيود، كانت الظاهرة محبطة ومستفزة لأبعد الظنون تشاؤما وسوداوية. لكن ما هو أكثر اثارة للدهشة والعجب، موقف بعض المثقفين العرب من عودة الروح الى الشعوب العربية في اليوم التالي للاجتياح الاسرائيلي الاجرامي الأخير لمناطق الحكم الذاتي الفلسطيني. فهذه الاستفاقة أو الصحوة، أوجعت تحليلاتهم وأسقطتها بقوة، حتى انهم اضطروا الى اتخاذ مواقف وتفسيرات شديدة السلبية والسطحية.. كيف ذلك؟ المؤكد أن تجديد الشعوب العربية لعهدها مع فلسطين في غمرة الاجتياح، أفسد نظرية هذا البعض، التي عللوا بها غياب الفعاليات الشعبية العربية مع الانتفاضة تلك النظرية القائلة بأن الشعوب العربية ما عادت تستمرئ فكرة الصراع الشامل مع اسرائيل، وأن هذا الصراع تحول من طبيعته الكلية التي روج لها القوميون والاسلاميون بخاصة الى طبيعته الحقيقية المحدودة، بين اسرائيل من جهة وكل دولة عربية - محيطة بها بخاصة - من جهة أخرى. كان هؤلاء يرون ان شمولية الصراع ليست موجودة سوى في ذهن مدارس عربية بعينها، جرفت الرأي العام العربي بصوتها الزاعق. لكن هذه المدارس فقدت صدقيتها وماعادت لها السطوة التاريخية التي امتدت لأكثر من نصف قرن على مايسمى بنبض الشارع. وقد اتخذ هؤلاء المشككون في جذرية الصراع من سرعة صعود وهبوط حركة هذا الشارع عقب اندلاع الانتفاضة، ثم الفتور الشعبي اللاحق، دليلا على صحة زعمهم. وكان مؤدى هذا التفسير بعامة هو أفول القومية العربية أو أقله ايذانها بالأفول والاضمحلال. مع الاجتياح، اندفعت الشعوب الى الشارع بقوة أكبر وبشعارات أعمق وأكثر جذرية هذه المرة. ويبدو أن هذه الحقيقة صدمت أصحاب نظرية «الواقعية» اياهم في مقاربة الصراع الصهيوني العربي، وبدلا من أن يعترف هؤلاء بسخافة نظريتهم وفساد مقدماتها ونتائجها، راحوا يكيلون الاتهامات للرأي العام العربي ذاته. فهم عندهم غير رشيد، لا عقلاني، غوغائي، لا يقدر العواقب، يغلب العاطفة على الفهم، انفعالي، وعموما لا يمكن مسايرته أو الاعتماد على شعاراته في مواجهة الشدائد وبناء الاستراتيجيات والتكتيكات والسياسات، التي لا يعلم كنهها الا كل ذي حظ عظيم! لا ندري حقا كيف يمكن ارضاء هذا الفريق.. ان غاب الرأي العام عن الساحة فانه مدان بالسلبية واللامبالاة والخنوع، أو هو في أحسن الفروض مفرغ من النوازع القومية، وماعاد يعبأ بما يجري في فلسطين الا كما ينشغل بقضايا أخرى غير قومية من منطلقات تضامنية انسانية بحتة. وان حضر هذا الرأي من خلال التظاهرات والتجمعات الكبيرة، فهو خاضع للتحريض ولا يوثق بكلمته وموسوم بالنقائض المذكورة. وتقترن الدهشة بالغضب، حين تعلم ان هذا الفريق يضم اناسا يعتقدون في أنفسهم الطهرية السياسية، وانهم طليعة الدعاة الى التحول الديمقراطي وحقوق الانسان.. والمعلوم للكافة أن دعوة كهذه تنطوي جدلا على ادراك لمغزى أراء الناس واستطلاع ميولهم واتجاهاتهم العامة، التي تكون فضفاضة في العادة، ولكنها مفهومة، كما انه من المعلوم أيضا، أن سواد الناس ليسوا مؤهلين فعلا لرسم الاستراتيجيات والتكتيكات واستبصار التفاصيل.. غير انهم يحددون بحركتهم الجماهيرية الاتجاهات العامة، التي اذا أنكرها صناع القرار والقادة المحترفون، ضلوا الطريق الى الديمقراطية الحقة وانقطعوا عن شعوبهم. وثمة تناقض آخر في هذا الخطاب، مبعثه الدعوة الى الانشغال بارضاء الرأي العام (غير العربي) بدون استثناء الداخل الاسرائيلي، على محمل أن التعريف بالحقوق العربية واستجلاء حقائق الصراع، من السبل المضمونة لاجراء تغييرات في المواقف الدولية. ويعزو هذا الخطاب عدم التعاطف الأمريكي والاوروبي مع العرب الى العجز عن الاتصال الاعلامي والسياسي والفكري مع الشعوب العربية. فكأن الرأي الغربي، والحال كذلك، أكثر استنارة وتأثيرا مقارنة بنظيره العربي الذي لا يؤبة له ولا يمكن الوثوق بخياراته. ومع قناعتنا بأن حركة تحرر واحدة لم تحقق أهدافها بضغوط الرأي العام وحده، فاننا لا نقلل من أهمية هذه الضغوط، لكننا لا ندري معنى استخفاف البعض بالرأي العام العربي ونداءاته، في الوقت الذي يعظمون فيه دور الرأي العام الخارجي بعامة. وبين ماينبغي الاضاءة حوله في هذا السياق، أن السياسة الاسرائيلية لا تحتفي كثيرا بمواقف الرأي العام الدولي. وهذا شأن كل الكيانات الاستيطانية العنصرية التي تتخذ من مراكمة القوة وسيلة وهدفا في تعاملاتها الخارجية. لكن الاسرائيليين عموما يراقبون بدقة اتجاهات الشارع العربي بالذات، وذلك لادراكهم بمفعوله على مصيرهم كله في الأجل الطويل. انهم في اسرائيل، يقدرون الفرق بين رأي عام عالمي قد يتعاطف مع الفلسطينيين أو العرب من منطلقات انسانية ومعنوية، غالبا ماتكون مؤقتة ويمكن التلاعب فيها، وبين رأي عام عربي يتحرك محفوزا بالوازع القومي متعدد المكونات الأصيلة، التي تنقله من المعالجة المؤقتة الى التلاحم الممتد بما من شأنه تعديل موازين القوى مع الدولة اليهودية في وقت قريب أو بعيد. كانت تداعيات الاجتياح الآثم كاشفة لمعدن الأمة العربية، بقدر ماكانت كاشفة لازدواجية خطاب منظري الاعتماد على النضال المدني وحده لاسترداد الحقوق العربية، وبينها استقطاب الرأي العام حول هذه الحقوق. وجملة القول هنا، أن الرأي العام الدولي مهم لتعزيز القضايا العربية، لكنه ليس أهم من رأي ابناء الأمة المكتوية بلهيب هذه القضايا. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة