سواء كان التقرير «الوثائقي» الذي قدمه ارييل شارون الى جورج بوش والذي يثبت «تورط عرفات وسلطته» ـ على حد قول شارون ـ في تدبير الهجمات الفلسطينية على اسرائيل صحيحا أو ملفقا، فإن الزعيم الاسرائيلي وشريكه الحميم الرئيس الأمريكي «مقتنعان» حاضرا ومستقبلا بأن المقاومة الوطنية الفلسطينية ليست سوى ضرب من «الارهاب الاجرامي»، وان الرئيس الفلسطيني وسلطته شريكان في هذا المسلك «الارهابي» سواء بالعمل الاشرافي المباشر أو الرعاية غير المباشرة أو التشجيع أو التستر. لماذا إذن تنزعج القيادة الفلسطينية إلى درجة اتخاذ موقف دفاعي اعتذاري وكأنها حشرت في زاوية؟ ولماذا تبدو حيال «الاتهام» الاسرائيلي ـ الأمريكي وكأنها تعاني من عقدة إثم؟ التقرير «التجريمي» الذي تقدم به شارون إلى الإدارة الأمريكية والمكون من مئة صفحة و«وثيقة» يقول ضمن ما يقول ان السلطة الفلسطينية برئاسة عرفات استخدمت ما توفر لديها من أموال لتمويل أنشطة حوالي 500 فلسطيني «مسئولين عن عمليات ضد الاسرائيليين». ويقول التقرير أيضا ان «فتح» التي يرأسها عرفات بنفسه «شبكة ارهابية» وان الرئيس الفلسطيني يدير «كتائب شهداء الأقصى» التابعة لفتح والتي تبنت سلسلة من العمليات الاستشهادية ضد اسرائيل. ويتضمن التقرير صورا من «وثائق» تحمل أوامر بدفع أموال لناشطين فلسطينيين ملاحقين يقول انها تحمل توقيع عرفات. وكالعادة سارعت القيادة الفلسطينية إلى نفي هذه «الاتهامات» معلنة ان ما يحويه التقرير الاسرائيلي ليس سوى مجموعة «أكاذيب ملفقة». ولا أدري لماذا تتبنى القيادة الفلسطينية استراتيجية النفي المتشدد في مثل هذه الحالة وهي من المفترض أن تكون قيادة عليا لحرب تحرير شعبية ضد وضع احتلالي غير مشروع؟ ان هذا المسلك يوحي للعالم وكأن الرئيس الفلسطيني يعتبر شرف النضال الوطني عملا اجراميا يجب التبرؤ منه. ومن يلتمسون العذر للرئاسة الفلسطينية انطلاقا من حسن نية أو دافع تبريري ذي طابع انهزامي يقولون انها ينبغي أن تظهر حيال الولايات المتحدة وكأنها بريئة من شبهة «الارهاب» حتى تكسب الثقة الأمريكية أو على الأقل تتفادى اعطاء الادارة الأمريكية مبررا لتصنيفها كجهة «ارهابية». لكن هذا التبرير يكذبه الواقع المرئي. إن السعي الفلسطيني على المستوى القيادي لكسب ثقة واشنطن مبني على فرضية من الوهم بأن الولايات المتحدة ما تزال تحتفظ بمساحة متساوية من عدم التحيز بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي، وبالتالي فإنها تتعامل مع كل منهما بذهن مفتوح مجرد من الهوى الانحيازي. ومن الغريب حقا ألا تزال القيادة الفلسطينية ممسكة بشيء من هذا الوهم رغم الأقوال والأفعال الأمريكية العلنية. لقد تزامن وصول شارون إلى واشنطن هذا الاسبوع لتقديم تقريره الى بوش مع تصريحات لمساعدة بوش ـ السيدة كوندوليزا رايس ـ ضد الرئيس عرفات والسلطة الفلسطينية بلغت في الصفاقة أعلى مراتب سوء الأدب. فقد قالت رايس في مقابلة مع شبكة تلفزيونية أمريكية «ان القيادة الفلسطينية الحالية المجسدة في شخص الرئيس ياسر عرفات ليست هي القيادة السليمة لاقامة دولة فلسطينية». ومغزى هذا التصريح الخبيث هو ان التصور الأمريكي الرسمي لمشروع الدولة الفلسطينية يتطابق تماما مع التصور الذي يتبناه ارييل شارون. هي في الحالين «دولة الوهم.. الدولة بالاسم فقط.. الدولة الفارغة من المضمون والسيادة والاستقلال.. دولة استمرار الاحتلال الاسرائيلي والمستوطنات واسقاط ملفات القدس واللاجئين والحدود». هذه الكلمات البالغة الوضوح ليست من عندي. إنها كلمات أحد كبار القادة السياسيين للسلطة الفلسطينية ـ د. صائب عريقات. وهي كلمات جديرة بالتأمل حقا لانها تنطوي على تساؤل هام هو: اذا كانت هذه هي قناعة السلطة الفلسطينية وهي ان شارون هو بوش وان بوش هو شارون.. وان كليهما عدو مبين للشعب الفلسطيني وتطلعاته ومستقبله ومصيره فمن أجل ماذا تستشعر القيادة الفلسطينية الحياء والروح الاعتذارية من الشرف النضالي من أجل اكتساب ثقة «وسيط» ليس على استعداد للمساومة على شراكته الاجرامية مع خصمك الأصلي؟