فجأة تحول جورج دبليو بوش الى سيمون بوليفار.. فجأة بدأ اوركسترا كامل في ادارة الرئيس الامريكي يردد معزوفة مكرورة قوامها الدعوة الى تحرير نعم تحرير الشعوب العربية (!). واذا كان سيمون بوليفار قد ركب جواده وانتقل من فوق صهوة الجواد يحمل شعلة الحرية في ارجاء قارة امريكا اللاتينية فان السيد بوش اختار او اختار له مستشاروه وسائر اعضاء جوقة العزف المكرور ان يلعب دور محرر المنطقة الاقليمية العربية لا من الاسبان وكانوا مستعمري امريكا الجنوبية ولكن من الانظمة الحاكمة في العالم العربي. وفيما كان شعار بوليفار هو الحرية والاستقلال فقد اضحى الشعار الامريكي الراهن هو الحرية والديمقراطية. في ظل هذا الشعار اكتشفت منظومة الفكر والبحث العلمي دع عنك منظومة الميديا الاعلامية في امريكا ان الشعوب العربية محرومة من الديمقراطية.. وانها تعيش في منطقة جدب ديمقراطي طبعا مع الاستثناء المبهر في رأيهم وهو اسرائيل التي مازالت «واحة الديمقراطية» على حد التعبير الذي اطلقه عليها منذ نصف قرن او يقل قليلا السياسي الامريكي الراحل هيوبرت همفري. غرام بعد سبتمبر ومن عجب ان هذا الهيام الديمقراطي وهذا التأسي التراجيدي على غياب الديمقراطية بين صفوف العرب عاربة كانوا او مستعربة ـ اشتعل اواره بالذات بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي ثم ازداد اللهيب ـ الديمقراطي حتى لاننسى اتقادا وتأججا في غمار احداث الاجتياح الاسرائيلي الوحشي الذي تابعه العالم بالصوت والصورة ضد الشعب الفلسطيني الذي يطالب بالحق الابسط والاكثر جوهرية وهو حق تقرير المصير والاستقلال وجلاء المستعمر العنصري الصهيوني عن ترابه الوطني في الضفة الغربية وقطاع غزة وهو حق جذري واولى بالرعاية وسابق بداهة على اي حق اخر للبشر حتى ولو كان حق الممارسة الديمقراطية ذاتها. زيف دعوات السلام ولقد شهد العالم العربي في ماض قريب سبق دعوات تحضه على السلام مع اسرائيل لقاء امدادات من لبن وعسل وتدفقات من المنّ والسلوى تحملها سفن امريكية عبر الاطلسى قالوا للعرب وقتها ان عليهم ان يختاروا بين الخبز والزبد وبين المدفع والدبابة الموجهة الى اسرائيل. وحين شاركت دول عربية في لعبة السلام ورفعت شعار الخيار الذي يحمل اسم الاستراتيجي.. اذا بها تزداد فقرا لا يوصف وتكدس اسلحة لا تستخدم وتعامل من جانب واشنطن باسلوب ينطوي على استهانة لا سبيل الى القبول بها. ثم زاد الامر تفاقما بعد احداث سبتمبر فاذا بتلك الاطراف العربية ـ السلامية كما قد نصفها تصنف على انها مراتع للارهاب ومواقع تفريخ للارهابيين لماذا؟ لانها اطراف او انظمة غير.. ديمقراطية (!) اذا احلنا الى النموذج المصري كمجرد مثال فقد تم تمرير معاهدة السلام مع العدو الاسرائيلي في مجلس الشعب الساداتي عام 1979 باغلبية مصطنعة مغلوبة على امرها وحين اعترض بضعة عشر عضوا عليها جرى ابعاد معظمهم وتجريدهم من عضوية البرلمان وتشويه سمعتهم السياسية والتنديد بمسلكيتهم كنواب عن الشعب وتم ذلك كله وسط تهليل ومباركة امريكية حيث كان الهدف هو تكريس المعاهدة وترسيخ دعائمها. اكاذيب بيريز وبعد هذا التاريخ بسنوات اقدم شمعون بيريز وهو احد الآباء المحدثين المؤسسين للكيان الاستعماري الصهيوني على نشر كتابه الشهير بعنوان «الشرق الاوسط الجديد» وحاول فيه التبشير بتعاون مرتجى بين اسرائيل وسائر دول المنطقة التي لم يتورع بيريز عن وصفها بانها تعرضت تاريخيا لما وصفه بانه الغزو العربي (الاسلامي طبعا) ومن ثم تحدث الصهيوني العتيق عن تعاون شعوب وعن حقوق اقليات ملمحا الى ما يمكن ان ينجم من مكاسب عن سلة التعاون المنشود اذا ما وضعت فيها عمالة عربية رخيصة وسيولة نفطية عربية ايضا الى جانب عبقرية تكنولوجية واضح انها تجسد مساهمة رمز الديمقراطية في المنطقة وهو اسرائيل. نحن والديمقراطية نبادر فنقول ان لا احد في عصرنا يرفض الديمقراطية او لا يطالب بتوسيع هوامشها ودعم ممارساتها وتعميق مفاهيمها. ولا احد يتغنى بالديكتاتورية او الحكم المطلق او احتكار مقاليد السلطة في يد اوليجاركية تستأثر بخيرات الوطن، اي وطن دون جموع جماهيره وتحرم هذه الجماهير من حق التعبير والافصاح او تملأ السجون بمن يعبر او يفصح عن آرائه بين صفوف تلك الجماهير. لكن الممارسة الديمقراطية هي حلقة من حلقات التطور الاجتماعي لا تقبل الاستيراد ولا الفرض ناهيك ان تصدر دعواتها وتعزف اناشيدها من جوقة تتحدث الانجليزية بلكنة عبرية على نحو ماهو حاصل في منظومة الحكم والفكر والاعلام في واشنطن العاصمة. ومنذ متى كانت العاصمة المذكورة اعلاه حادبة على ديمقراطية الشعوب في شرق العالم او غربه. ومن الذي ظل يتغنى بسطوة الشاه في ايران ويتغزل في استقرار نظامه ويزود اركان ذلك النظام القمعي بكل اسباب الدعم والمؤازرة ما بين مقالات كبريات الصحف الامريكية الى احدث الاسلحة المستخدمة في مكافحة الشغب في الشوارع وحتى احدث وسائل القمع والاستجواب في غياهب اجهزة الاستخبارات في طهران ـ الشاه؟ ثم من الذي دبر للهجوم على سلفادور الليندي الرئيس التقدمي المنتخب ديمقراطيا في تشيلي وكان رمز الشرعية الدستورية في ذلك البلد اللاتيني ولكنه قضى نحبه مدافعا عن نفسه في قصر الرئاسة في سنتياجو فيما نصبت امريكا بدلا منه واحدا من اشرس النظم الفاشية في نصف القرن الماضي هو نظام اوجسطو بينوشيه ـ وكان مهندس هذا المخطط الشرير رجلا ديمقراطيا للغاية اسمه هنري كيسنجر وعلى طريقة واشنطن في تبسيط الامور، يبدو ان مفكريها ومحلليها ارتاحوا اخيرا الى ان ظاهرة ما يسمونه بـ «الارهاب» ناجمة اساسا عن ضياع الديمقراطية وعن ازمات الفقر والحرمان في العالم العربي. قالت واشنطن بوست في هذا السياق بالذات تكتب مثلا صحيفة واشنطن بوست (عدد 2842002) مقالا لا تتورع فيه الجريدة الرصينة ذات النفوذ الواسع عن ارتكاب عدة مغالطات حين تقول: ـ ان الحكومات العربية ترفض ان تلتقي باسرائيل او ان تعلن صراحة عن مناهضتها (او معاداتها) للارهاب او ان تضغط على عرفات لكي يتصرف بطريقة بناءة ولا حتى ان تكبح جماح خطاب الكراهية الذي يردده سفراؤها ووسائل اعلامها التي تديرها الدول. ولقاريء هذه السطور ان يكبح بدوره تأمله الاستفزازي حول حكاية الاجتماع المطلوب مع اسرائيل وما الذي فعلته واشنطن العاصمة التي تصدر فيها الجريدة الامريكية الشهيرة من اجل تفعيل المبادرة العربية التي طرحت في قمة بيروت بشقيها اللذين بات يعرفهما القاصي والداني وهو العلاقات الطبيعية مقابل الانسحاب الكامل ولا تقل لي ان واشنطن عاجزة عن حمل اسرائيل على الانصياع.. وحين امرها رئيس امريكي أسبق هو كارتر بالانسحاب من لبنان فقد انسحبت وحين هددها رئيس امريكي سابق هو بوش الاب بتجميد جانب من المعونة المالية اذا ما واصلت انشاء المستوطنات ـ المستعمرات في الارض الفلسطينية المحتلة فقد انصاعت وقد صدق الرئيس المصري الراحل انور السادات حين قال للامريكيين ما معناه: ـ نحن لانريدكم ان تجابهوا اسرائيل ولا حتى تضغطوا عليها او تعاقبوها فقط امنعوا عنها المعونات التي تعيش بفضلها فأنتم تقدمون لها كل شيء ابتداء برغيف الخبز وليس انتهاء بالدبابة والطائرة والصاروخ. نعود الى واشنطن بوست حين تتهم الحكومات العربية بأنها لم تشجب الارهاب وهو امر غريب على مؤسسة اعلامية المفروض ان تسابقت مع العالم برفض كل حكومة عربية للارهاب ببساطة لان الدول العربية تعرضت في معظمها لاخطار الارهاب الذي ضاعت فيه ارواح ودمرت ممتلكات وتحققت من جرائه افدح الخسائر، ثم ماهو المطلوب من الضغط على ياسر عرفات الذي ظل رهين الحصار اسابيع عدة وقد شارف الرجل على السبعين وهل يتمثل سلوكه البناء او فوزه باحترام الرئيس الامريكي في ان يتنازل عن حقوق شعبه او ان يتهاون في كرامته كرمز لهذا الشعب الذي اختار المقاومة الباسلة مع قلة العتاد وندرة الزاد امام قوة فاشية مدججة بأحدث اسلحة العصر. الصهيونية والنازية وكم صدعوا ادمغتنا بفظائع نسبوها الى عنصرية النازية ومازالوا ينسجون قصصا ويصطنعون حكايات عن محارق الهولوكوست التي قالوا ان النازية قد نصبتها لليهود ومن عجب ان تكون فظائع النازي مجرد حكايات متواترة ومرويات منسوبة الى مصدر هنا او راوية هناك وقد عمدوا من بعد ـ يهود اسرائيل وانصارهم في امريكا وغيرها الى اضفاء مصداقية زائفة على تلك المرويات المتواترة المحلية من خلال أفلام سينمائية هي في التحليل الأخير طيوف ومرئيات من صنع الخيال وآخرها طبعاً فيلم «قائمة شندلر» الذي أوغلوا في احتفالات مغرضة بانتاجه وعرضه في أنحاء العالم وكأنه وثيقة رسمية لها مصداقية المستند التاريخي. أين هذا كله من فظائع النازي الحقيقي ارييل شارون: وفظائع حقيقية لأنها تدور على أرض الواقع في فلسطين المحتلة وانها محل رصد ومتابعة وتسجيل قيض الله له عناصر من أمهر وأفضل وأشرف الصحفيين في العالم. وفي مقدمتهم، بل وعلى رأسهم فتيات وفتيان يشرف بهم حقا سجل الإعلام العربي المعاصر. ويكفي ان نتذكر هنا باعتزاز جليل أسماء جيفارا البديري وشيرين أبو عاقلة ووليد العمري وأميل خزعل وفايز أبو شمالة وغيرهم. استجابة بالهستيريا ومما يبعث على التأمل في هذا السياق بالذات ان اليهود الصهاينة يصابون بما يشبه هستيريا الغضب حين يطالبون بطرح أدلة ثبوتية يقبلها العقل وعلم التحقيق التاريخي ازاء حدوث أو عدم حدوث واقعة الهولوكوست التي مازالوا يجنون من ورائها مكاسب أكثر من طائلة حتى ليتحرج مثقف يهودي محترم هو البروفيسور «فنكلشتاين» استاذ التاريخ في جامعة نيويورك بكتابه الذي يندد فيه باستغلال هذه الواقعة بعنوانه المعروف «صناعة الهولوكوست». ومصدر هذا التأمل ان الامر بات على الشاكلة نفسها بالنسبة للأمريكيين ازاء أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، يصيبهم نوع من الغضب الجامح إذا ما وجدوا من يطالبهم بأدلة ثبوتية بدورها ازاء اتهام العرب والمسلمين في كارثة المركز التجاري وهجوم البنتاجون في ذلك اليوم المشؤوم. وكما يبادر اليهود بالصاق تهم «معاداة السامية» و«بغض اليهود» بمن تسول له النفس بالتساؤل عن مصداقية حدوث الهولوكوست أو حدوثه على نحو ما يصورون، لزوم التعويضات الطائلة، من جسامة وشناعة، فقد تؤول الأمور بالامريكيين الى ان يلصقوا تهمة «العداء لأمريكا» والحقد على تقدمها ورفاهيتها لكل من يحاول التساؤل عن جانب الحق والباطل في اتهام عرب أو مسلمين بارتكاب الجرم والدمار الفظيع الذي لحق بمدينتي واشنطن ونيويورك. وبصرف النظر عن شرائط مشبوهة ومنسوبة الى هذا الفرد أو ذاك يلوك الفاظاً وانصاف عبارات لا يدري المحلل السياسي ما هو دور المونتاج الرقمي ولا دور التخليق الحاسوبي في صياغتها، فالثابت هو التصريحات التي أدلى بها السيد كولن باول وزير الخارجية الامريكي في أولى رحلاته الى الخارج بعد الأحداث وقال فيها: ان القرائن المتوافرة لدينا ليست من النوع الذي يمكن ان يقدم أمام محكمة. أخيراً، تنعى الـ «واشنطن بوست» على الحكومات (نقصد طبعاً الأنظمة العربية) انها تتحاشى فتح موضوع ما برحت تلك الانظمة تحرص على تحاشي التطرق اليه.. وهو ان السياسات التي تتبعها تلك الحكومات هي التي تدعم وتمول وتحمي التطرف الاسلامي (كيف؟) وتولد الحرمان السياسي والاقتصادي اللذين يشكلان في رأي الـ «واشنطن بوست» الاسباب الجذرية للارهاب. ولم يناقش أحد كيف ان العناصر التي اتهمتها امريكا بارتكاب أحداث 11 سبتمبر على فرض جدلي بصحة هذا الاتهام لا يمكن ان تعد من ضحايا الحرمان السياسي أو الاقتصادي، بل هم كما صورهم الاتهام شباب في حال من اليسر المادي والقدرة على التنقل ما بين أوروبا وأمريكا ومتاح لهم مستويات رفيعة من التعليم في مجالات وتخصصات شتى ما يسقط حكاية الحرمان أو السخط الذي قد يولد التطرف أو الارهاب. الديمقراطية السياسية والاجتماعية ونعود الى الديمقراطية التي تطالب الدوائر الامريكية باقرارها في دنيا العرب.. ولا نظن ان هذه القلوب الامريكية الواجفة حسرة على غياب الديمقراطية عن وطن اليعاربة تنطلق من غرام مفقود أو اعجاب قديم بالعرب أو المسلمين، والذي نحسبه هو ان القوم يحاولون أن يبددوا قوة المواقف التي وحدت فئات الشارع العربي ضد الفاشية الصهيونية التي تبدت في سلوكيات شارون وبطانته، أو ان ينالوا من منعة جدار الرفض العربي الذي قوبلت بها اتهامات امريكا للعرب والمسلمين دامغة اياهم بالارهاب والوحشية والتخلف. ليس معنى هذا ان العرب يرفضون الديمقراطية أو يصرفون النظر عنها، دع عنك القول بأنهم شبعانون ديمقراطية.. العكس هو الصحيح على طول الخط، فكل منطق قطري عاقل وكل تفكير قومي مستنير يعرف ان الممارسة الديمقراطية بمعنى المشاركة المنظمة والمشروعة دستورياً والاصيلة من حيث التطبيق الأمين هي السياج الذي يحمي أي نظام من انواء التطرف ورياح اللااستقرار. وليست الديمقراطية مجرد انتخابات تجرى واصوات يشهدها يوم الاقتراع، إنها من حيث الجوهر تفعيل لمبدأ الفصل بين السلطات وإعمال لمبدأ المسئولية والمساءلة والشفافية وحرية التعبير بغير وصاية من بيروقراطية متحكم ولا قيود. وإذا كان هذا هو الوجه السياسي الآخر للعملة الثمينة التي تحمل اسم الديمقراطية فان الوجه الاخر لتلك العملة اسمه الوجه الاجتماعي ويجسده اقرار مباديء الفرص المتكافئة ورفض توريث الفقر وتوريث الحظوة وتكريس مبدأ العدل بين جموع المواطنين. يختلف الناس في وطن العرب حول مثل هذه المباديء أو يتفقون.. لكن أهل مكة سيظلون هم الأدرى بشعابها.. وقد تكتنف هذه الشعاب مشكلات أو عقبات. وقد تظل المسيرة طويلة تحفها العراقيل، وقد يستغرق النضال السياسي وقتاً صعباً وطويلاً الى ان تترسخ تقاليد الممارسة الديمقراطية في الأرض العربية ولكن هذا في حد ذاته شيء، بينما تمثل مواعظ امريكا شيئا آخر مختلفا أشد الاختلاف. ـ كاتب سياسي من مصر