بعد رفع الحصار عنه، أدلى الرئيس عرفات بحديث لشبكة (اي بي سي) الامريكية، وقد كان الاجدر به ألا يجري تلك المقابلة، لانه بدا وكأنه لا يعلم بما يدور حوله، وبدا انه لا يستطيع ان يرتب جملة مفيدة دون ان ينتظر النجدة من احد مساعديه او مستشاريه، كما بدا انه يمازح مذيع الشبكة في موقف لا يحتمل المزاح ابداً خاصة حينما سأله فيما اذا كان سيغادر رام الله باتجاه مصر، فكان جواب عرفات: «لا ادري ما اذا كان سيسمح لي الاسرائيليون بذلك ام لا»! ثم يردف موجهاً الكلام للمذيع «ربما رافقتك!!». نفس الشبكة ونفس المذيع اجرت حواراً مع شارون، فكان الانطباع الوحيد لكل من شاهد المقابلة بأنه امام سياسي داهية، يعرف تحديداً ما يقول وما سيقول بعد سنة وحتى عشر سنوات من الان، وتجنب كل الاسئلة التي يمكن ان تضعه في حرج مع الادارة الامريكية، لكنه كان واضحاً فيما يتعلق بالتأكيد وبثبات على ان (اسرائيل وحدها تقرر فيما يخص امنها)!! وهنا لا داعي للتساؤل: لماذا اختار الاسرائيليون رجل حرب كشارون ليقودهم في هذه المرحلة؟ كما انه لا داعي ابداً للتساؤل: لماذا تحرص الولايات المتحدة على الرئيس عرفات، وتعطي التأكيد تلو الاخر على انه الزعيم الشرعي للشعب الفلسطيني، برغم كل المقولات الرامية الى الحديث الصريح عن الاستعدادات الخفية الجارية وراء الكواليس لاستبدال القيادة الفلسطينية الحالية! ما نردده دائماً بأننا يجب الا نقذف الاحجار في البحيرة الفلسطينية المليئة بكل المنغصات والتي لا تحتاج لأحجار بقدر ما تحتاج لرافعات قوية تساعد على تطهير البحيرة واعادة شيء من الصفاء الى سطحها على الاقل، لكن القضية انه كلما تمادى العدو في شراسته وثباته على نظرية الحرب، كلما اوغل الطرف الفلسطيني مدججاً بالضعف السياسي العربي (الرسمي) في اظهار اعلى درجات التخاذل والضعف والبكاء على لا شيء، في حين ان المطلوب والمنتظر منه موقف اخر تماماً، لا نقول يشبه موقف شارون المدجج بالقوة الامريكية، ولكن لا يشبه موقف عرفات الباكي على (كنيسة) المهد، والصارخ بالشهادة الدعائية!! شارون ذهب ـ كما يقال ـ ليقدم خطة سلام ناقشها مع وزير الدفاع الامريكي (رامسفيلد) لكنه في الحقيقة ذهب ليقول شكراً (فقط من غير ابتذال او قبلات بلا معنى) للادارة الامريكية التي جنبته مأزق لجنة تقصي الحقائق، وسحبت موقفها المؤيد لانشاء محكمة جرائم الحرب، كما ذهب ليقول وبشكل واضح لا لبس فيه بأن ما يقوم به هو حرب اسرائيلية للدفاع عن (الامة الاسرائيلية) المهددة بـ «الارهاب» الفلسطيني وانه يقف مع الامريكان في الخندق نفسه، لكنه لن يسمح لهم بالتدخل في شئون هذه الامة برغم كل شيء، ولا نتوقع غضباً امريكياً على (قلة الاصل) اليهودية هذه، بل العكس تماماً فرامسفيلد وصف محادثاته مع شارون بأنها جيدة للغاية، طالما ان اسرائيل ملتزمة بالسلام!! طبعاً نحن فقط من سيفجرنا هذا الكلام من الغيظ، اما شارون فقد استلم الوسام، واعطي الشهادة التي لا ترد، شهادة بوش له بأنه (رجل سلام)! يبقى ان ننسى موضوع الغيظ والحيرة والاستغراب و.. ونعمل ما في وسعنا لنفهم كيف تسير اللعبة، ومن يتحكم فيها؟ وكيف يمكننا ان نكون لاعبين رئيسيين أو نرضى بأن نكون (الحلقة الاضعف) كالعادة!!